هل يعود جسدي إليّ بعد الولادة؟
أقف على الميزان، فيظهر الرقم: 67. أتجمّد لحظة أحدّق فيه بدهشة، كأنني أراه لأول مرة منذ زمن بعيد. في الحقيقة، مضت نحو ثلاث سنوات منذ أن رأيت هذا الرقم آخر مرة. أبقى واقفة على الميزان، أغوص في رأسي وبين الذكريات التي شكّلت هذه السنوات، وأتساءل: هل يعقل أن يكون جسدي قد بدأ يعود إليّ فعلاً؟
لطالما تمنّيت لو كان بإمكاني القول إن مفتاحي إلى نفسي نابع من شيء معنوي أو ثقافي: من كتاباتي مثلاً، من قراءاتي، من الموسيقى أو من علاقاتي. تمنّيت لو أن هذا المفتاح كان فكرة، مبدأ، شغفاً. لكن الحقيقة، ولأسباب تعود بجذورها إلى طفولتي، فإن مفتاحي كان دائماً هو جسدي. علاقتي معه كانت ولا تزال تحدّد نبرة أيامي، ومدى تصالحي مع كياني، وشكل حضوري في العالم. يكفي أن أتحرّك لساعة واحدة في اليوم لأتمكّن بعدها من إنجاز كل ما يتكدّس أمامي، ويكفي أيضاً أن أتغيّب عن هذه الحركة لأسبوع كامل حتى تتسلّل بوادر القلق إلى عقلي.
حين حبلت، انقلبت علاقتي بجسدي رأساً على عقب. في تلك المرحلة، كان الرقم الذي يمثّل لي شعور الرضا عن شكلي وقوّتي وكتلتي العضلية هو 62. أستحضره الآن وأفكّر في الكيلوغرامات الخمس التي تفصلني عنه، وكأنها مسافة بين نسختين منّي.
لكنني، وسط هذا التفكير، أدرك أنني حتى لو عدت إلى ذلك الرقم، فلن أعود إلى ذلك الجسد، لأنه تغيّر، واختبر ما لم يكن قد اختبره، تمدّد وتقلّص وتحمّل وأعاد تشكيل نفسه. لقد عبر تجربة لا تقاس بالميزان، فصار جسداً آخر، لا يشبه إلا نفسه.
جسدي هو مفتاحي، ولذلك حين مشيت وحدي في أحياء بيروت قبل أسبوع وبينما كنت أراقب الباعة من حولي، أدركت في لحظة عابرة أنني وبعد مرور عامين ونصف على دخولي إلى عالم الامومة، استرجعت نفسي، او بالأحرى وجدت نفسي الجديدة.
قرأت الكثير من الدراسات والإحصاءات العلمية التي تؤكد أن رحلة الأمومة ليست سهلة، وأن التمكن منها لا يأتي بسلاسة، ثم عشت التجربة بكل واقعيتها. فالمرأة تحتاج إلى عام كامل بعد الولادة ليبدأ التعب الجسدي بالتلاشي، إذ تكون التغيرات الهرمونية والنفسية في ذروتها خلال هذه المرحلة.
وتحتاج إلى نحو عامين ليبدأ جسدها باستعادة توازن هرموناته، خاصة إذا استمرت بالرضاعة الطبيعية، إذ يبقى التأثير الهرموني قائماً. أما على الصعيد النفسي والاجتماعي، فقد تستغرق المرأة ما يصل إلى خمس سنوات لتستعيد ذاتها وغاياتها، فالأمومة تغيّر هويتها وأولوياتها على نحوٍ عميق.
في الليلة الثالثة من أمومتي، جلست طوال الليل على السرير أستمع إلى أغنية "بيروت" بصوت ياسمين حمدان. رحت أفتّش في صوري القديمة، تلك التي أرشفتها على إنستغرام، عن ذكرياتي وعن ذاتي. حدّقت في تلك الفتاة العشرينية التي كان بإمكانها أن تنام وتخرج من المنزل متى شاءت، وبكيت. حدّقت في صور المدينة التي رحلتُ عنها طوعاً، وبكيت أيضاً.
في تلك الليلة الموحشة والصعبة، حين كان الكلّ نائمين، كنت أنا مستيقظة. أولاً، لأن ابني كان جديداً في هذا العالم، ولا يملك سوى جسدي ليستلقي عليه ويشعر بالأمان. وثانياً، لأنني أنا أيضاً كنت جديدة في هذا العالم، عالم الأمومة، وفي الوقت عينه خسرت عالمي القديم، بكلّ تفاصيله، دفعة واحدة.
ربّما أكثر ما يصدمنا في عالم الأمومة هو خسارتنا الفورية لهويتنا، أو بالأحرى لتلك الهوية التي بنيناها بمجهود خاص وفردي على مدى سنوات.
فجأة، تنهار كل القوة التي ارتديناها وخضنا بها يومياتنا عند أول صوتٍ تصدره صغيرتنا، فننهار نحن معها. هذه الصدمة جعلتني، منذ عامٍ ونصف، أجلس كل يوم أمام الحاسوب وأكتب عشرات الصفحات عن المشاعر المتضاربة التي تجتاحنا، وعن تفاصيل كل ما لا يُقال لنا عن الأمومة. أحياناً أردد: ليتني استمتعت أكثر بالأيام الأولى، لكن كل شيء كان جديداً إلى حدّ أن رهبة الاكتشاف والتعلّم والمسؤوليات طغت على كل شعور آخر.
الآن أشعر أنني وصلت إلى الضفة الأخرى. ففي نهاية العام الأول، وبطريقة تكاد تبدو سحرية، استيقظت لأكتشف أن مشاعر الغضب التي لازمتني طويلاً قد اختفت. لا أعلم من أين نبع كل ذلك الغضب داخلي، لكنني كنت غاضبة جداً…
غضبتُ من قلّة النوم، من نقص المعرفة، ومن العزلة التي تفرضُ علينا نحن الأمهات داخل مجتمع لم نعد نملك فيه قبيلة ممتدة تساندنا كلّما احتجناها. وفي نهاية العام الثاني، وبالطريقة السحرية نفسها تقريباً، استيقظت لأكتشف أن مشاعر الخوف التي كبّلتني لسنوات قد تلاشت، وحلّ مكانها إحساسٌ بالصلابة والحسم.
الآن، بعد ولادة ذاتي الجديدة التي تحتضن أمومتي، صار بإمكاني أن أمشي في الشارع وأنظر في عيون من يزعجونني دون أن ألقي عليهم السلام. صار بإمكاني أن أجلس مع الكيلوغارامات الخمس التي لم تكن لي من قبل، وأتعايش معها بهدوء. صار بإمكاني أن أقول بثقة إنني لا أريد أن أتبع ما هو متوقّع مني، وإنني لا أخاف المحاولة والفشل، ثم الفشل، ثم الفشل، ثم المحاولة من جديد.
الآن، في نهاية النصف الأول من العام الثالث من أمومتي، أقول إن هناك شيئاً سحرياً ومبهراً في خروج إنسان صغير من أجسادنا. شيء يجعلنا نرفع أنفسنا إلى مرتبة عالية، لأننا وحدنا نفهم صدمة وقوة ما مررنا به. ولأنه هناك أيضاً طفل صغير يفرض علينا، من كثرة محبتنا له، أن نكون أكثر شراسة وأقل تسامحاً مع كل ما لا يعجبنا.
فنحن لم نعبر كل تلك العزلة لنعود كما كنّا. لقد بكيت كثيراً على كل ما ظننته خسارة، والآن فقط أدرك أن بكائي لم يكن لأنني فقدت شيئاً، بل لأنني كنت تائهة في عالم ما بعد الأمومة، العالم الذي لم أتعرف فيه على ذاتي الآتية على الفور... وهذا أمر طبيعي.
واليوم، بعد أن وصلت إليها، أريدك أن تعلمي، أيتها الأم الجديدة، أيتها الأم الجميلة، أن القلق سيتلاشى، وأن الليالي لن تبقى طويلة. ستعودين لتلتصقي بنفسك كما يلتصق بك طفلك، وربما سيحدث لك ما حدث لي، فتعشقين نسختك الآتية أكثر من كل نسخك السابقة.