عن الصحافيات في الخطوط الأماميّة!
في ظلّ الحرب، ما زالت متاحة لنا أحيانًا رفاهية الانعزال عن الأخبار العاجلة؛ أن نغضّ البصر عن شاشة التلفزيون أو الهاتف لبضع ساعات. لكن هناك نساءً لا يستطعن فعل ذلك، لأنّهن ببساطة من ينقلن إلينا الخبر أساسًا.
الصحافيات والمراسلات الميدانيات اللواتي يوثّقن الحرب والنزوح وتبعاتهما، هنّ من ينقلن إلينا الوقائع رغم قسوتها. ورغم الضغط النفسي والمجازفة الأمنية اللذين يرافقانهن طوال فترة الحرب، يواصلن عملهن بالقدر الممكن من الاحترافية والالتزام.
من البديهي أن نرى في هؤلاء الصحافيات بطلاتٍ ينقلن الواقع بضميرٍ حيّ. لكننا في كثير من الأحيان نختصر صورة الصحافية في جسدٍ يركض نحو الخطر؛ صورة بطولية تتكرر في الأخبار والوثائقيات والأفلام وحتى الفيديوهات القصيرة، فتغذّي سردية الصحافة بوصفها مهنة تقف دائمًا على خطوط النار.
في الواقع، تتكوّن هذه الصورة من طبقاتٍ عدّة، لا تقتصر على الخطر الأمني الذي يهدّد حياة النساء اللواتي ينقلن إلينا وقائع الحرب.
العبء النفسي: الشهادة اليومية على المأساة
الصحافية التي تعمل في ظلّ الحرب تكون على احتكاك دائم مع قصص النزوح والموت والتدمير. تمتصّ الواقع وتستمع إلى تفاصيل المأساة كي تتمكّن من نقلها باحترافية. تلك المشاهد المروّعة التي نشاهدها نحن من خلف الشاشات، تضطر هي إلى رؤيتها بأمّ عينيها.
كلّ ذلك يعرّضها، في أيّام النزاعات، إلى ضغطٍ نفسي كبير قد لا تجد وقتًا كافيًا للتفريغ عنه، في ظلّ تسارع الأحداث وواجب نقلها إلى المشاهدين.
الضغط الاجتماعي والتنمر الرقمي
إلى جانب هذا العبء النفسي، تواجه الصحافيات ما يمكن تسميته بالرادار الاجتماعي الذي يلاحقهن خلال الحرب.
المراسلة الميدانية مثلاً، تعمل لساعات أو حتى لأيام متواصلة دون راحة أو نوم كافٍ، قد تخطئ أحيانًا في استخدام مصطلح أو تعبير لوصف حدثٍ ما. وهذا أمر طبيعي في ظلّ التوتر والتعب. لكن هذا الخطأ سرعان ما يتحوّل إلى موجة واسعة من الانتقادات على منصّات التواصل الاجتماعي، يرافقها في كثير من الأحيان تنمّرٌ جارح.
كلّ ذلك يحدث أحيانًا بسبب هفوة بسيطة، لكنه يضيف طبقة جديدة من الضغط النفسي الذي تتعرّض له الصحافية في أيّام النزاع.
التمييز الجندري في التغطية الحربية
حتى التمييز الجندري لا تغيب آثاره عن عمل الصحافية في زمن الحرب. فما زال مجتمعنا، إلى حدّ كبير، ينظر إلى التغطية الحربية بوصفها مجالًا للرجال. كثيرًا ما تتعرّض الصحافيات للتشكيك في قدراتهن المهنية أو في قرارهن النزول إلى مناطق الخطر. وبدل أن يُنظر إلى ذلك بوصفه التزامًا مهنيًا، يُطرَح عليهن السؤال ذاته مرارًا: "لماذا تعملين في المناطق الخطرة؟". فضلاً عن المضايقات والاستعلاء المهني الذي تتعرض إليه بعض الصحافيات أثناء عملهن على الأرض.
هذا الضغط الاجتماعي يتضاعف أحيانًا داخل بعض العائلات أيضًا. فبينما يُنظر إلى الابن الصحافي الذي يغطّي الحرب بوصفه شجاعًا أو مخلصًا لمهنته، تواجه الابنة الصحافية أسئلة القلق والخوف، بل وأحيانًا اللوم. وكأنّ اختيارها المهني يصبح موضع مساءلة دائمة، لا لشيء سوى لأنها امرأة.
من أجل سلامة الصحافيات
هذه الضغوط النفسية والاجتماعية والجندرية تجعل من الضروري تسليط الضوء عليها، قبل الحديث عن المجازفة الجسدية التي تخوضها الصحافيات خلال عملهن تحت وطأة الحرب.
وبما أنّ العدو في منطقتنا له تاريخ حافل في استهداف المدنيين والصحافيين والطواقم الطبية والكبار والصغار، وبما أنّ استهداف الصحافيين والصحافيات بات واقعًا موثّقًا، يصبح التذكير بإجراءات السلامة أمرًا أساسيًا، خصوصًا بالنسبة إلى الصحافيات المستقلات اللواتي يعملن في كثير من الأحيان بمفردهن دون فريق متعدد المهام وداعم.
أولًا: الاستعداد قبل النزول إلى موقع التغطية
قبل الخروج من المؤسسة أو المنزل إلى المكان الذي تنوين تغطيته، حاولي تحديد الموقع بدقة وتقييم المخاطر المحتملة. اسألي نفسك: إلى أيّ حدّ يبدو المكان محفوفًا بالخطر؟ أين تقع خطوط القتال أو القصف فيه؟ وهل تبدو خريطة الطوارئ فيه واضحة وسهلة؟
بعد تحديد الموقع واتخاذ قرار التوجه إليه، شاركي موقعك مع الزملاء أو فريق العمل أو حتّى الأصدقاء ذات الثقة، وشاركيهم كذلك خطة التغطية. ولا تنسي تجهيز معدات السلامة الأساسية، مثل الخوذة والسترة الواقية اللتين تدلان بوضوح على أنّك صحافيّة، وبطاقة الصحافة، وعدّة الإسعافات الأولية.
ثانيًا: أثناء التغطية
بعد وصولك إلى الموقع، عايني المكان جيدًا. تعرّفي إلى أقرب الملاجئ أو الأماكن الآمنة التي يمكن الاحتماء بها في حالات الطوارئ.
حافظي على مسافة آمنة من مواقع الاشتباكات أو القصف، وتجنّبي الوقوف في المناطق المكشوفة أو المرتفعة. وعند إجراء المقابلات، يُفضّل تجنّب الأماكن المغلقة، خصوصًا إذا كنتِ تعملين بمفردك أو دون فريق.
ثالثًا: السلامة الرقمية
تجنّبي نشر موقعك الجغرافي المباشر أثناء التغطية. احتفظي بنسخ احتياطية من المواد الصحافية، وتأكدي من حماية هاتفك وحاسوبك وحساباتك الرقمية باستخدام كلمات مرور قوية وإجراءات أمان إضافية.
رابعًا: العناية بالصحة الجسدية والنفسية
ندرك حجم الضغط المهني الذي تواجهينه في مثل هذه الظروف. لكن حاولي، قدر الإمكان، الحصول على قسط كافٍ من الراحة والطعام والماء. من المفيد أيضاً تخصيص وقت للتفريغ النفسي، سواء مع مختص/ة نفسي/ة أو حتّى مع صديقاتك والمقرّبين منك.
الصحافيات أساسيات في نقل الوقائع وتوثيقها
العمل الصحافي في منطقتنا منهك وخطير حتى في كثير من أيام السلم، فكيف في أيام الحرب؟ نتمنّى أن تبقى جميع الصحافيات آمنات. وأن يمنحن أنفسهن حق الراحة والتفريغ النفسي، وألا يجبرن أنفسهن على أن يكنّ قويات في جميع الأوقات. فاختيار الراحة والاستماع إلى الجسد هو أيضًا شكل من أشكال القوة، وهو ما تحتاجه الصحافيات كي يستمررن في عملهن باحترافية.
أما من لا يزال يتساءل عن ضرورة وأهمية عمل الصحافيات في زمن النزاعات، وعن دوافعهن للاحتكاك بالخطر، فتحضر الإجابة إلى ذهني بصوت الصحافية كارمن جو خضار وما قالته في الدورة الثانية من مؤتمر SHIFT العام الماضي: "النساء هنّ من ينقلن قصص الحرب بتفاصيلها، وهنّ من يستمعن إليها بعقلٍ منفتح وتعاطف، وينقلنها إلى الناس بموضوعية. النساء يستطعن رؤية الأمور من منظور النساء الأخريات اللواتي يعشن تحت ظل الحرب".