برزخ الناجين والناجيات

ما هذه المنطقة الرمادية التي أقف بها؟ منطقة ما بعد الخوف، ما بعد الأمان، ما بعد الحرب وما بعد السلام.

أخرج من المنزل، الحرارة ثماني درجات والرياح قاسية. أجلس في العراء ليلسع البرد جلدي، لعلّي أشعر أنني لا زلت على قيد الحياة، ولأقتسم هذه اللحظة مع آلاف النازحين الذين يفترشون العراء.

تحدثني صديقة، تقول "أشعر بذنب كبير". أسألها "لماذا؟"، فتجيب "لأن دورتي الشهرية بدأت اليوم، وأملك حمامًـا خاصًـا أغتسل فيه، وخزانة أختار منها ملابس نوم تدفئني، وسريرًا أغفو عليه دون أن أضطر للقفز منه مذعورة كي أنجو بحياتي".

أخرج ثانيةً، أجلس تحت الشمس. أرى جارتي مقبلة وهي تحمل ضمة من "الزعتر البري". أنظر إليها بتركيز وأسألها "دخلك شو اليوم؟ الخميس أم الجمعة؟".

 

ما هذه المنطقة الرمادية التي نقف فيها جميعًا؟ لماذا أغص وأغضب وأخاف على الأشخاص أنفسهم؟ كيف صرت ممزقة هكذا بين كل الاتجاهات؟

هذه هي المرة الثالثة منذ عام 1988 التي يُهجّر فيها كل أهل قريتي. في المرة الأولى، سُويت البيوت بالأرض، ولم يطأ أهلي ترابها إلا بعد اثني عشر عامًـا. بسبب ذلك التهجير، ولدتُ في صيدا، ولم أر قريتي للمرة الأولى إلا حين بلغت التاسعة، ومع ذلك، أنا ابنة تلك الأرض وأنتمي إليها انتماء لا يفسّره منطق.

قريبًا سيبلغ ابني من العمر ثلاث سنوات، وهو أيضًا، لم يطأ حتى اللحظة فوق تراب بلدته الجنوبية. فكرنا والده وأنا مرارًا أن نقصدها، لكن خوفي من المسيرات كان يمنعنا. هذه حربه الثانية التي يعيشها خلال عمره القصير، في الحرب الأولى كان لا يتكلّم ولا يعبّر، فكان حين يسمع جدار الصوت يجمد مكانه وكأن شيئًا لم يحصل. قبل يومين أو ثلاثة، لم أعد أذكر، كنت أمشي أنا وهو حين جاءت الطائرات. نظر إلي بعينين بريئتين وقال لي "كابتن سوق طيارة ماما". أومأت له وما هي إلا ثوان حتى سمعنا الصوت ورأينا الدخان يتصاعد من جهة "صيدا". حملته وركضت نحو المنزل، وأنا أركض سمعته يقول لي "صاروخ"، لكني لم أستوعب. كيف تعلّم ابني الذي لم يكمل سنواته الثلاث كلمة صاروخ؟

شعرت بقلبي ينقبض وفعلت شيئًا ما كنت أظن أنني سأفعله. يوميًـا تصلني تعليمات حول كيفية التعامل مع الأطفال في الحروب، بكل صراحة لا أقرأها ولا أفتحها. أمي لم تلتزم يومًـا بتعليمات، ففي العام 2001، أخذتنا إلى قانا لنزور أضرحة الذين قتلوا في المجزرة. قبل وصولنا، وأثناء قيادتها للسيارة، أخبرتنا هي التي بدورها تهجر أجدادها من قريتها الجنوبية، عن أسباب قيامنا بهذه الزيارة وما الغاية منها، وحكت لنا بأسلوبها الخاص ما حصل. 

أتذكّر بوضوح وجه فتاة صغيرة، وُضعت صورتها أمام ضريحها، شعرها أسود طويل وترتدي كنزة زرقاء. طوال وجودنا في قانا بقيت أنظر إليها وكأنها مرآتي، ففي النهاية أنا وهي في نفس العمر، وموتها يعني أيضًا احتمال موتي. لاحقًـا حين ظهّرت أمي الصور التي التقطتها في تلك الرحلة التي زرنا فيها مناطق عدة، وجدت صورة لي وأنا أميل بجسدي ناحية ضريح الفتاة نفسها. لوقت طويل، لم أفهم لماذا أخبرتنا أمي كل ذلك حينها، لكني أثناء ركضي بابني الذي عرف أن الدخان المنبعث هو من صاروخ، فهمت.

أجلسته على الكنبة الحمراء وتحدثت معه على القدر الذي يفهمه. حين سألته "شو شفت؟"، قال لي "صاروخ. نار. بوم". عدت وسألته "من رمى الصاروخ؟"، فقال لي "Monster". قلت له "مزبوط، وحش.. بتعرف شو اسم الوحش؟ اسمه إسرائيل".

أنا لا أؤمن بالتربية الحديثة، فهي مفهوم لا يمكن إسقاطه على منطقتنا، ونحن الأمهات نعرف ذلك تمامًا. ففي العام الماضي حين هربنا من الحرب إلى عمّان، لم آخذ لابني غطاءه المفضل أو ألعابه، أخذت له علب الحليب التي كنت قد كدّستها. واليوم، وفي الفترة نفسها التي أحضر فيها ابني للدخول إلى المدرسة ليندمج في هذا الكوكب، عليّ أيضًا أن أحضره ليندمج في واقعه. وفي هذا الواقع أطفالنا يموتون ويتهجرون وينزحون ويتيتّمون. 

شاهدت خبرًا عن يوجد صبي يبلغ من العمر 4 سنوات، فُقد في منطقة "عرمون" بعد أن طيّره عصف الانفجار من على سريره، وأنهم وجدوه على قيد الحياة تحت الركام بعد ساعات من البحث. سمعت صوت امرأة تصرخ في الفيديو، لا أعلم بالتأكيد إن كانت أمّه، لكن ومن كثرة ما سمعت صراخ الأمّهات من غزّة وصولا إلى لبنان صرت أعرف نبرة صرخة الأم التي تبحث عن أولادها تحت الركام. منذ أن شاهدت الخبر وأنا ألتصق بابني وأغمره طوال الليل، وأحاول قدر الإمكان كما أفعل منذ أن ولد على أبواب "إبادة" ألا أتركه خلال ساعات النهار.

البعض سيقول "لماذا إذًا أنجبته في هذه المنطقة رغم معرفتك بكل هذه الكوارث؟ والآن تنعين فوق رؤوسنا؟". أنجبته لأنه بكل بساطة يحق لي أن أنجب عدد الأبناء الذين أريدهم، ورغم الحرب ورغم الألم، لا يوجد لدي ذرة ندم واحدة أنني أنجبته في هذه البلاد التي أحبها والتي رفضت مرارًا الهجرة منها، والتي لست مسؤولة فيها عن الوحوش الذين يلقون صواريخهم فوقنا، والذين يقتلون 160 فتاة صغيرة على مقاعد الدراسة تحت عنوان "تحرير المرأة"، ومن ثمّ يصرح أتباعهم على الهواء مباشرة أن الفتيات الصغيرات اللواتي قتلن، كن سيعشن مقموعات بالحجاب طوال حياتهن، وكأن هذا الموت أرحم.
 

ما هذه المنطقة الرمادية التي أقف فيها؟ إنها برزخ الناجين. نحن الذين لا زلنا في منازلنا بينما حمل أهلنا أعز ما يملكون في أكياس بلاستيكية وهربوا إلى أماكن عامة. نحن الذين نحاول، رغم الهلاك الذي حل على الجميع، أن نقول إنه لا يزال يوجد الكثير من الطيبين، من يمدون يد المساعدة بكل كرامة، من يبحثون عن بيت صغير يتسع لخمسين جسدًا، وأن هناك أملًا لنا بالنجاة وبالبقاء. نحن الذين نتحرك بين المدارس، نوزّع الطبخات ونتشارك سيجارة مع امرأة لم تحمل من بيتها سوى نفسها. نعرف الواقع ونقرأ الأمور بموضوعيتها، نسب ونغضب ونسأل ماذا لو؟

نحن اللواتي يسألنا أطفالنا مئات الأسئلة يوميـًا، نجد أن الحل الوحيد هو أن نحكي حكاياتنا، أن نقدم كل ما نملك، وأن نحمي عائلاتنا عبر مصارحة أبنائنا بالحقيقة. وهذا ما أفعله. هل هذا يجعلني أمًا سيئة؟ كلا، يجعلني أمًا واقعية.



 

مدونتنا