نقول “نعم” كيلا نبدو لئيمات

في مسلسل "النار بالنار" يطلب أحد الشخصيات من زوجته أن تقول له على الشاردة والواردة "سمعاً وطاعة"، نضحك أنا وصديقتي في كلّ مرّة تكرر البطلة هذه الجملة ونردد وراءها "صمون وبطاطا" كمحاولة للتمرّد، ورغم أننا نضحك ساخرات لكننا في الأعماق غاضبات، نودّ أن نقول "لا" لعبارة تمثل نظاماً اجتماعياً مفروضاً على النساء منذ قرون!

قد يبدو الأمر مبالغاً فيه، أو كما يقول البعض: "النسويات دائماً غاضبات ويردن أن يقلن لا لكل شيء"، لكن وبالنظر إلى كل حياتي ومقارنة بكلّ كلمة "لا" واحدة في حياتي، قلت تقريباً الكثير من الـ "نعم" الخائفة أو المراوغة أو الخجولة، لهذا نعم أنا غاضبة لأنني لم أمتلك يوماً رفاهية الرفض كما يجب!

 

متى كانت آخر مرة قلتِ فيها "لا"؟

في طفولتي قلتُ نعم للكثير من الطلبات التي كلفني بها الكبار في المدرسة مثل التنظيف   ولأن كلمة لا كانت تبدو كبيرة وفيها "قلة أدب" كما علمونا، لهذا قلت "نعم"!

بعدها ترعرعتُ وأنا أرى أمي وقريباتي وصديقاتي ونساء الحي يتجنبن قول "لا"، خوفاً من وجع الراس "واللت والعجن"، لطالما تفاخرن بنجاحهن عشرات المرات في الالتفاف حول "لا" بطريقة مواربة وغير صريحة، أو باستحياء وخوف على طريقة باب الحارة "حاضر ابن عمي" تجنباً لغضب الشريك، فاخترن الطريق الأقصر والأكثر أماناً وقلن "نعم"! بعضهن كنَّ يتغنجن ليحصلن على كلمة لا وأخريات كن يبكين، لكنهن لم يقلن لمرة لا وجهاً لوجه. 

ثم بعدها قبلتُ الكثير من المهام الإضافية في أماكن عملي القديمة، لأنني خشيت أن يراني الآخرون ضعيفة أو أن يتمّ تجاهلي إذا أبديت رفضي، رغم أن تلك المهام لم تكن من اختصاصي أو شكلت عبئاً حقيقياً عليّ، لذا استمريت في قول نعم حتى أبدو قويّة وجادة في عملي، في المقابل كان زملائي الرجال أكثر انتقائية في الموافقة على أية مهام إضافية، على المرأة أن تثبت دوماً أنها ناجحة في العمل، فلا يجب أن تظهر أي شكل من التلكؤ أو الحماسٍ القليل، خوفاً من التشكيك بمقدراتها المهنية.

لو سألت امرأة عن مدى استخدامها لكلمة "لا"، سيبدو الأمر للوهلة الأولى بديهياً وستجيب بشكل تلقائي "أقول لا عندما أريد"، لكن بمجرد التفكير قليلاً ستكتشف أي امرأة أنها قالت الكثير من "نعم" رغم أنها كانت ترغب بقول العكس. 

 

 نقول نعم لنكون محبوبات وآمنات

يتم تعليمنا كنساء منذ الطفولة أن نكون نساء جيدات، وهذا يعني تضحيتنا بالكثير من الاحتياجات الشخصية من أجل تلبية احتياجات الآخرين، أو تكريس الوقت والطاقة والاهتمامات والأحلام لأجل الأبناء، أو التخلي عن هذا: "الرأس اليابس" كما يقول البعض، وكأنّ كلمة نعم هي سمة مميزة للأنوثة وجزء من شخصية المرأة المقبولة، كبرنا ونحن نلقن كيف تكون الفتاة لطيفة ومحبوبة وأنّ "لا" هي عكس اللطف، هكذا اعتقدنا. كان الرفض خارج المبادئ التي تلقيناها، كفتاة يجب أن تكون مطيعة ومرنة ومسالمة، ووسط كل هذا نسينا كيف يقال "لا".

من الطبيعي بعد كل هذا أن تتأثر الحياة المهنية للمرأة بكلمة بسيطة كهذه الكلمة، إذ أنه وبمجرد قول المرأة "لا" في مكان العمل، ينظر على أنها عدوانية وغير متعاونة، أو أقلّ كفاءة. لا يتوقف الأمر هنا، تلجأ الكثير من النساء اللواتي يتعرضن للعنف المنزلي إلى قول "نعم" حفاظاً على سلامتهن وآمانهن، فتصبح كلمة نعم موازياً للأمان والحفاظ على الحياة بينما كلمة لا تعني الألم والخسارة والموت في بعض الأحيان، كلفت كلمة لا الكثير من الفتيات والنساء حيواتهن، قُتلت المصرية نيرة أشرف لأنها رفضت شاباً وقالت له لا، فما كان منه مقابل هذين الحرفين إلا أن يقتل الفتاة وسط الشارع، يُقابل هذا الرفض لدى الرجل شعور بالخزي والعار والانتقاص، هو الذي اعتاد أن يقال له نعم على الدوام.

 في ظل غياب نظام مجتمعي وحقوقي آمن وداعم لنساء يتعرضن للعنف والتحرش، سرعان ما ستتجه أصابع الاتهام نحو امرأة قالت في باص النقل العام "لا، ابعد يدك عني"، وهكذا شيئاً فشيئاً وجدنا أنفسنا نقول نعم كيلا نبدو بغيضات أو لئيمات، ولكي نكون محبوبات ومعطاءات، ولنحافظ على حياتنا في بعض الأحيان، وقد يصل بنا الضغط لقول "نعم" لأشكال حياة لا نرغب بها كموافقة فتاة على الزواج من شخص لا تحبه، فقط لأنها تخشى التأخر في الزواج الذي طالما حذرها منه المجتمع وهكذا تستمر سلسلة النعم بإنجاب الأطفال والانصياع للآخر، حتى تفقد المرأة كينونتها تحت وطأة القبول الإلزامي.

 

لماذا مازلتُ أشعر بأنني لست كافية؟

أشعر في كل مرة أقول بها نعم تحت وطأة الضغوط الاجتماعية، النفسية، المهنية أو المادية، بأنني أفقد الفرصة لأكون نفسي أو لأتطور أو أساهم بقرارات أصيلة نابعة مني. تتعرض النساء اللواتي لا يتمكن من التعبير عن رأيهن بشكل حقيقي الى انخفاض الشعور بالثقة وعدم القدرة على اتخاذ قرارات خاصة بحياتهم، وهن أكثر عرضة لمشاعر الإرهاق والتوتر، تصبح النساء توابع للأفكار والقوالب الجاهزة لهن. 

لسنا مجرد نسويات غاضبات، وحقنا بقول كلمة "لا" ليس رفاهية، هذا الوصف المراوغ، الذي  يخفي جزءاً كبيراً من الحقيقة دون خجل، فنحن نعاني حقاً من فقر حاد للفيتامين "لا"، أمازح صديقاتي وأقول: لو كنت طبيبة لوصفت هذا الفيتامين لجميع النساء بالمجان، وشجعتهن على الرفض والتمسك في قول "لا" كحق وليس كمجرد امتياز وسط أنظمة حقوقية وثقافية لا تدعم النساء في طرح آرائهن الحقيقية والتعبير عن احتياجاتهم.

 أرغب كغيري من الفتيات والنساء في استخدام كلمة "لا" بثقة، موقنة أنني، مع قولها، سأستمر في الحصول على الشركاء والأصدقاء وفرص العمل والحماية والقبول المجتمعي، لأنني مازلت وفي النهاية أفضل أن أقول كلمة "لا" اللئيمة على أن أقول "نعم" الخائفة!

مدونتنا