تأنيث الجوع: لماذا لا تحظى النساء بمقعد على مائدة الطعام؟
"قبل زواجي كنا بناكل في بيت أهلي أي خضار أورديحي من طرح الغيط، بس أغلب الأيام أكلنا كان بطاطس، وياما غضبت وأنا بقول لأمي: "هو كل يوم بطاطس! مافيش غيرها يعني؟!"، فكانت ترد عليَّ: "أحمدي ربنا، وكُلّي من سكات"، ولما كان بيبقى عندنا على الغدا لحمة ولا طيور كانت أمي تدي المناب الأكبر لأبويا وأخواتي الرجالة، ولما كنت أزعل كانت تقولي هما رجالة شقيانين ولازمهم غذى.. طب ما أنا كمان شقيانة زيهم!".
هكذا تبدأ ياسمين (اسم مستعار) بسرد معاناتها مع التمييز الجندري في الطعام على مائدة أسرتها، رغم مساهمتها في دخل العائلة. فبينما يعمل والدها مزارعًا أجيرًا، ويشتغل إخوتها الذكور في حرف بسيطة، تمضي هي ساعاتها في صنع الزبد، لتبيعه والدتها مع البيض في سوق القرية يوميًا.
تستعيد ذكرى حادثة وقعت في بيت أبيها قبل زواجها: "في مرة وأنا صغيرة جوعت أوي، فأخذت من ورا أمي كام بيضة فراخ من اللي كانت مربياهم للبيع، ورحت قَليتهم بالزبدة، وأكلتهم بسرعة قبل ما حد يشوفني، بس أمي عرفت وحكت لأبويا فضربني عشان معملش كده تاني".
من النظرة الأولى إلى ياسمين، يمكن ملاحظة نحافتها الشديدة ووهنها الظاهر، إلى جانب ملامحها الحزينة المنحوتة بدقة على عظام وجهها البارزة، في مشهد يشبه ريفيات لوحة "آكلو البطاطس" (The Potato Eaters) للفنان الهولندي فان جوخ، التي تجسد آثار الفقر المدقع من خلال إبراز تدهور الحالة التغذوية (Nutrition status) للفئات الأكثر احتياجًا. ووفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، فإن تدهور الحالة التغذوية يعني عدم قدرة الفرد على الحصول المنتظم على غذاء مأمون ومغذٍّ، مما يقلل من جودة النظام الغذائي، ويخلّ بأنماط استهلاك الطعام، ويؤثّر سلبًا على رفاه الأفراد داخل المجتمع. وتزداد هذه المعاناة حدة لدى النساء، اللواتي يعانين من اللامساواة الجندرية، ويشكلن الحلقة الأضعف في المجتمعات الذكورية، التي تميل إلى وضعهن في مرتبة أدنى من الرجال داخل أنظمة اجتماعية واقتصادية معقدة، تُعزِّز تأنيث الجوع والفقر.
التمييز الجندري في الطعام والخلافات الأسرية
تواصل ياسمين (تسعة عشر عامًا) حديثها معنا: "لما زوجي خطبني قالي الحال ماشي إزاي في بيتهم، اللي هسكن فيه بعد الزواج. قالي هتساعدي في شغل البيت كله من غسل ومسح وكنس"؛ غير أنه أوضح لها أن الأمور المالية، وشراء المستلزمات، واختيار أصناف الطعام وطهيها، هي من اختصاص والدته وشقيقاته، اللواتي يكيفنّ الأوضاع كما يحلو لهنّ، دون أي تدخل منها.
قال لها: "أمي متحبش حد يحط إيده في طبيخها غير بناتها. إنتي وقت الأكل تخرجي بمعلقتك بس تاكلي معاهم، ومالكيش دعوة بحاجة، وتاكلي اللي يتحط قدامك من سكات، ومتقوليش عايزة ده أو مبحبش ده".
تتنهّد ياسمين وتواصل: "وماكنش ليا الحق في أني أمد أيدي على أي حاجة حتى الشاي والسكر، ومكانش ليَّ مصروف خاص عشان أجيب اللي نفسي فيه، زوجي كان بيبعت مبلغ كل شهر في حوالة بنكية باسم أخوه الكبير، يصرفها ويدي الفلوس لحماتي وهي اللي تتصرف. ولما كنا بنتجمع كلنا وقت الأكل، كنت بحس أني مش مرتاحة وسطهم ولا قادرة ارفع معلقة الأكل، زي ما أكون مستحقش اللقمة، وماكنش ينفع أطلب كمية أكتر من الأكل أو صنف معين نفسي فيه لحسن يقولوا عليَّ طفسة أو جاية من بيت جوع".
هنا يمكننا ملاحظة العلاقة الوثيقة بين الطعام والسلطة الذكورية داخل المجتمع بوصفها حلقة مفرغة؛ فالعنف الذكوري ضد المرأة لا يؤدي فقط إلى تدهور أمنها الغذائي، بل يسهم أيضًا في تفاقم التوترات واندلاع الخلافات داخل الأسرة. أشار الباحث مارشال سالينز (Marshall Sahlins)، عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي، إلى تأثير الضغوط الاجتماعية في تقاسم الطعام بين الأفراد، ودورها في تعزيز مشاعر الألفة والتماسك بينهم، حيث قال: "يزداد تقاسم الناس للطعام بشكل فعلي مقارنة بغيره من المواد، كما أن تقاسمه بين الناس أكثر ضرورة … ومعاملات الطعام المتبادلة بارومتر حساس، وهو تصريح طقسي -إذ جاز لنا القول- يعبر عن العلاقات الاجتماعية، وهكذا يوظف الطعام بطريقة ذرائعية آلية لبدء الألفة، أو المحافظة على ديمومتها، أو تدميرها".
وفي هذا الصدد، يوضح لنا عماد الدين عبد الهادي، المدرس المساعد بمعهد البحوث والدراسات العربية، تقسيمًا معروفًا لدى علماء الاجتماع في مصر، خاصة في مجال اقتصاد المنزل، حيث يتم تجزئته إلى خمسة أجزاء: ميزانية الطعام، وميزانية رأس المال، وميزانية الصيانة والاستمرار، وميزانية الإيجار، وميزانية المظهر. وتأتي ميزانية الطعام في المرتبة الأولى من حيث الأهمية ومدى إثارتها للخلافات داخل الشريحة العريضة من الأسر المصرية. فوفقًا لما لاحظه خلال جولاته الميدانية، وجد أن ميزانية الغذاء غالبًا ما تكون مصدرًا للتوتر والنزاعات الأسرية، لا سيما في ظل الثقافة الشعبية السائدة لدى بعض الطبقات الاجتماعية، التي تمنح الرجل استحقاقًا ضمنيًا يفرض على زوجته التصرف "بشكل رشيد" في الميزانية - وفقًا لمفهومه - بما يضمن له طعامًا متنوعًا، بجودة عالية، وبكميات وفيرة يوميًا.
تأنيث الجوع وأحوال آكلات البطاطس
تشرح ياسمين أن موافقتها على الزواج من ابن قريتها "الكسّيب"، الذي يعمل حارس أمن بإحدى دول الخليج، جاءت ظنًا منها أن حالها في بيت زوجها سيكون أفضل من حالها في بيت أبيها المزدحم بكثرة الأبناء. خُطبت أثناء الإجازة السنوية لزوجها، الذي سافر إلى عمله ثم عاد بعد عدة أشهر في إجازة قصيرة لمدة أسبوع لإتمام الزيجة. دخل بها في غرفة صغيرة لا ترى الشمس داخل بيت أهله، ثم تركها بعد أيام معدودة وعاد إلى مقر عمله، بعد أن زرع بذرته سريعًا داخل رحمها.
تستعيد ياسمين ما جرى لها: "فجأة كده في تلات شهور لاقيت نفسي مخطوبة وبعدين متجوزة، جهزوني ولبسوني وعملوا زيطة ورقص وطبل، وبعدها زفوني لحد الأوضة، وقالولي تسكتي خالص خليكي زي لوح العجين، وسيبه يعمل ما بداله إلا الملايكة تلعنك، وأوعي صوتك يطلع إلا يقول عليكي بنت مش كويسة. فضلت في الأوضة خمس أيام بلياليهم مش بعمل فيهم حاجة إلا السكوت، وأهله كانوا بيدخلولنا الأكل من على الباب، لحمة وطيور وأسماك ورز معمر" - تابعت بابتسامة خبيثة - "عشان ابنهم يسكتني كويس، ودي كانت الأيام الوحيدة اللي شوفت فيها الأكل الكويس في بيتهم، وبعدها سافر لشغله، عشان كده محضرش الولادة لما بلغوه، أصل مش معقول يجي مرتين على حسابه في نفس السنة".
تقول ياسمين إن شقيقات زوجها كنّ من حضرن ولادة صغيرتها، التي جاءت بشكل مفاجئ قبل الموعد المحدد، وانزعجن عقب علمهن أن المولودة تحمل قدرًا من مرض الصفراء في دمائها، ويتطلب وضعها الصحي دخولها حضَّانة الأطفال المبتسرين. إلى جانب ذلك، كانت ياسمين نفسها بحاجة إلى رعاية صحية خاصة تستلزم إقامتها لعدة أيام داخل المستشفى، نظرًا لإصابتها بالأنيميا (فقر الدم) نتيجة تدهور حالتها التغذوية خلال فترة الحمل.
لم يخجلن من تركها وحيدة في المستشفى، تعاني من آلام ما بعد الولادة، بل اكتفين بالاتصال بأسرتها لإبلاغهم بخبر الولادة المبكرة، وإخبارهم بضرورة القدوم إلى المستشفى لنقل المولودة إلى إحدى الحضَّانات الخاصة، حيث تبلغ تكلفة الإقامة فيها ما لا يقل عن 2000 جنيه في الليلة الواحدة، نظرًا لعدم توافر مكان في حضَّانات المستشفى الحكومي محدود الإمكانيات.
من ثم اندلعت مشادة كلامية بين العائلتين حول من عليه تحمل التكاليف الإضافية للولادة، بعدما بادرت عائلة الزوج بإلقاء اللوم على عائلة ياسمين، معتبرين أن سوء وضعها الصحي "راجع لبيت أهلها... ماهي لو كانت متغذية كويس على طبلية أبوها ماكانش ده بقى حالها". تجاهلوا تمامًا سنها الصغير نسبيًا، ونقص الدعم الصحي الذي تلقته أثناء فترة الحمل، فضلًا عن سوء نظام التغذية في بيتهم، الذي أقامت فيه طوال فترة حملها.
أمام هذا الوضع، فضّلت ياسمين العودة إلى بيت أبيها عقب خروجها من المستشفى وتعافي صغيرتها، بعد أن تكفل إخوتها بالمصاريف. كما طالبت بإعادة ترتيب وضعها هي وصغيرتها داخل بيت أسرة زوجها، مع تخصيص مبلغ شهري يضمن حصولهما على التغذية السليمة والرعاية اللازمة.
نظرة واقعية على تدهور الحالة التغذوية للنساء
يُعَدّ الحصول على الغذاء حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، إلا أنّ التمييز الجندري غالبًا ما يفرض قواعده الجائرة على الوصول إليه، وتخصيصه، واستهلاكه. إذ تعاني النساء من تدهور الحالة التغذوية بدرجة أكثر حدة من الرجال، وفقًا لما كشفه تقرير أممي نُشر تحت عنوان: "حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2022"، أظهر أن الفجوة بين النساء والرجال خلال عام 2022 كانت أكبر بمقدار 8.4 مرة مما كانت عليه في عام 2018، إذ زادت أعداد النساء اللواتي يعانين من سوء التغذية بمقدار 18 مليون فقط، مما يفاقم حالة التمييز الجندري في الطعام، ويعزِّز الشعور بالدونية لدى النساء، ويترك تبعات مدمرة على صحتهنّ وحياتهنّ.
أمّا على صعيد المنطقة العربية، فمع وصول معدلات النزوح إلى مستويات غير مسبوقة، جراء تفشي الحروب والنزاعات المحتدمة داخل المنطقة، غالبًا ما تكون النساء والأطفال الأكثر تضررًا، في ظل انعدام الرعاية الصحية وشيوع العنف القائم على النوع الاجتماعي. وقد بلغ معدل النساء العربيات المصابات بفقر الدم (الأنيميا) ضمن الفئة العمرية 15-49 عامًا 33.2 بالمئة، خلال عام 2019، متجاوزًا المعدّل العالمي، فيما ارتفع المعدل ليصل إلى 43.9 بالمئة في البلدان العربية منخفضة الدخل، وذلك وفقًا لتقرير أممي صدر تحت عنوان: "نظرة إقليمية حول حالة الأمن الغذائي والتغذية في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا 2024".
حذّر التقرير من أن المنطقة العربية باتت بعيدة عن تحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030 (SDGs)، خاصة الهدف الثاني المتعلّق بالقضاء على الجوع، والهدف الخامس المتعلّق بالمساواة بين الجنسين، إضافة إلى الهدف العاشر المتعلق بالحد من أوجه عدم المساواة.
ماذا حدث لطعام المصريات؟
بتدقيق النظر في السياق المصري، نجد أن الدستور المصري نص ضمن مواده على حق المواطن في الحصول على غذاء صحّي وكافٍ، مع ضمان إلتزام الدولة بتأمين الموارد الغذائية لجميع مواطنيها.
ولكن، نجد أن مصر تحتل المركز 77 عالميًا، من بين 113 دولة خضعت للتصنيف، داخل مؤشر الأمن الغذائي العالمي 2022 الصادر عن مجلة "إيكونوميست إمباكت". في المقابل، بلغ المُعدّل السنوي لتضخم أسعار السلع الغذائية في مصر ذروته في سبتمبر/ أيلول عام 2023، بعدما وصلت الزيادة في أسعار الغذاء إلى 73.56 بالمئة، وفقًا للتحليل الشهري الذي يصدره البنك المركزي المصري لبيانات التضخم.
كذلك جاءت مصر في المركز الخامس ضمن قائمة البلدان العشرة التي لديها أعلى مستوى تضخم في أسعار المواد الغذائية، وذلك وفقًا لتقييم البنك الدولي الصادر في أبريل/ نيسان 2024، مما أدى إلى تباطؤ نمو إنفاق القطاع العائلي على الغذاء، إذ كشفت دراسة صادرة عن جهاز التعبئة العامة والإحصاء عن أن ما يزيد عن 73 بالمئة من الأسر المصرية قد خفضت استهلاكها من السلع الغذائية مؤخرًا، وسط مخاوف حدوث اضطرابات اجتماعية، جراء تقوِّيض القدرة الشرائية للمصريين.
وفي الواقع، تلعب النساء دورًا جوهريًا في زيادة دخل أسرهنّ، إذ تبلغ نسبة النساء المعيلات فى المجتمع المصري 16 بالمئة، حسب البيانات المنشورة على الموقع الإلكتروني للمجلس القومي للمرأة ، نقلًا عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.
كذلك فإنهنّ يلعبن دورًا في توفير الراحة لأفراد أسرهنّ، وتقديم الأعمال المنزلية والرعائية غير المأجورة، إلا أنّ جهودهنّ لم تترجم في الوجبات اليومية التي يحصلن عليها.
وترسم الأرقام والبيانات الرسمية المتوافرة حول تأنيث الجوع وتبعات تدهور الحالة التغذوية للمصريات صورة قاتمة لواقع مشكلة التمييز الجندري في الطعام داخل مصر، بعدما أظهر المسح الصحي للأسر المصرية، الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء وفقًا لآخر تحديث له في ديسمبر/ كانون الأول 2022، أن ما يزيد عن ثلث النساء المصريات يعانين من الأنيميا.
فيما أكدت رانيا هلال، باحثة في مجال أنثروبولوجيا الطعام، أنها استمعت من واقع عملها إلى شهادات لنساء يضحّين بحصصهنّ الغذائية حتى يتمتع أزواجهنّ وأطفالهنّ بحصص غذائية كاملة، أو تكاد تكون كاملة. أمّا هنّ فيمثلنّ تناولهنّ للطعام، مرددات عبارات مثل: "أكلت قبلكم، وأنا بطبخ كنت بدوق الأكل وشبعت"، بينما الحقيقة أنهنّ لم يتناولنّ الطعام طيلة اليوم. وتنتظر هؤلاء النساء ما يبقى من أزواجهنّ وأطفالهنّ لأكله، لغلاء أسعار السلع الغذائية في ظل ّضعف الأجور وعدم كفاية برامج الدعم الحكومي.
الطعام أداة لقهر النساء في المجتمعات الأبوية
أمّا عن سبب معاناة النساء من تدهور الحالة التغذوية بدرجة أكثر حدة من الرجال، فقد توجهنا بالسؤال إلى رانيا هلال، التي أوضحت أن المسألة ترجع إلى العادات والتقاليد المتجذرة داخل العقل الجمعي، التي تحابي الذكور وتهمل الإناث، إلى جانب النظرة النمطية لأدوار الجنسين، وهيمنة السلطة الذكورية، التي تربط الطعام بالهرمية التراتبية للنوع الاجتماعي داخل المجتمع، فتعطي أولوية الحصول على الحصص الغذائية للذكور، بتشجيع من الأعراف والتقاليد السائدة؛ كيلا تتحكم النساء في الموارد الاقتصادية، أو يحصلن على قدر من السلطة والاستقلالية ضد رغبة الأنظمة الأبوية.
وأضافت أن هناك ثقافة مجتمعية تربّت عليها النساء، تفرض عليهن أن يكنّ أمهات صالحات في نظر المجتمع ومرضيات عند الله، عبر التضحية حتى لو على حساب قوت يومهنّ، مما يؤدي إلى ضعف جهازهنّ المناعي وتفاقم المضاعفات الصحية أثناء الحمل والولادة.
ثم استطردت قائلة: "عندما يسود التفضيل الذكوري داخل أسرة محدودة الدخل، تمتلك كميات قليلة من الطعام، يحصل الذكور على حصص غذائية أكبر وأفضل من الإناث، خاصة في الأيام التي تحظى فيها الأسرة بحصة من اللحوم ضمن وجباتها. يحدث هذا السلوك بشكل خاص في قرى الريف والصعيد، ويعززه التفسير الخاطئ لقوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾، متناسين أن الآية الكريمة تخص المواريث فقط. فنجد الأم تردد: 'للبنت مناب واحد وللولد منابين'، بدعوى أن الذكر هو من يرعى البيت وينفق على الأسرة، ومن حقه التمتع بأمواله.
كما يلعب السعي إلى تعزيز القدرة الجنسية لدى الذكور دورًا حاسمًا في تفاقم التمييز الجندري في الطعام، إذ يُنظر إلى الإناث باعتبارهن متلقيات للجنس، مجرد أوعية للحمل والولادة، دون اعتبار لرغباتهن أو طاقتهن أو قدرتهن الجنسية مثل الذكور".
"الباقي لأبو العلا"
أكد عماد الدين عبد الهادي أن نساء كثيرات ينظرنّ إلى التمييز الجندري في الطعام كعادة متعارف عليها، ولا يرونها تمييزًا سلبيًا؛ لأنهنّ طبعنّ على التفرقة بين الجنسين، وذكرنا بأحد مشاهد فيلم "الزوجة الثانية"، الذي كتب قصته د. أحمد رشدي صالح، ودار فيه الحوار التالي بين سعاد حسني وصلاح منصور:
- صلاح منصور: قولي لي يا بت، لو يعني مثلًا مثلًا إديتك وزة تعملي بيها إيه؟
- سعاد حسني: يا سلام يا عمدة دي كانت تبقى ليلة. ناكل ونشبع ونتهنى وندعيلك.
- صلاح منصور: تاكلوها كلها في ليلة واحدة!
- سعاد حسني: يا دوبك. حماتي حتة، والعيال حتة، وأنا فتفوتة والباقي لأبو العلا.
- صلاح منصور: إشمعنى يعنى أبو العلا؟!
- سعاد حسني: إهييه… مش هو الراجل اللى بيشقى ويتعب، لا بد يتقوى… أكل الزفر صحة.
يكشف هذا المشهد السينمائي عن طريقة تفكير النساء أنفسهنّ في توزيع الحصص الغذائية بين الجنسين، لا سيما في قرى الريف والصعيد، حيث نجد النساء يضحين بشبعهن عن طيب خاطر لإطعام ذكور أسرهن.
يتابع عماد الدين عبد الهادي حديثه قائلًا: "أثناء زيارتي لإحدى قرى الجيزة، لاحظت أن النساء ما زلن -إلى جانب الطهي- مسؤولات عن تجهيز صينية الغداء لأزواجهنّ وأقربائهنّ من الذكور، ثم الذهاب بها إليهم في الحقول أو الورش، دون أن يشاركن في تناول الطعام، سواء هنّ أو صغارهنّ".
من جانبها، توضح رانيا هلال أن التمييز الجندري في الطعام قضية تحتاج إلى وعي مجتمعي واسع لضمان حصول الجميع على تغذية متوازنة، فالطعام ليس مجرد حاجة بيولوجية، بل هو انعكاس للقيم والممارسات الثقافية داخل المجتمع. لذلك، فإن تحقيق المساواة في الغذاء يُعدّ خطوة نحو تحقيق العدالة الاجتماعية. وتؤكد أن الغذاء ليس مجرد وسيلة للبقاء، بل مؤشر على التفاوت الطبقي والجندري وتكريس التراتبية الذكورية.
تظهر هذه العملية منذ لحظة إعلان الأم الحامل عن جنس جنينها؛ فإذا كان ذكرًا، حظيت باهتمام أسرة الزوج، وحصلت على أفضل الأطعمة، باعتبارها تحمل في رحمها الابن الذي سيحمل اسم العائلة. أما إذا كانت تحمل أنثى، فيهدر حقها في التغذية السليمة لصالح أي امرأة أخرى من نساء العائلة الحاملات بذكر، أو اللواتي لديهنّ أبناء ذكور بالفعل.
بمعنى آخر، تُعامل المرأة كوعاء، ويتكرر هذا النمط عقب الولادة، حيث تُهمل صحة الأم ومولودتها الأنثى، مما يؤدي إلى تدهور حالتها النفسية والجسدية والصحية نتيجة الضغوط العصبية والنفسية التي تتعرض لها. ينعكس هذا بدوره على درجة إدرار اللبن، وبالتالي على صحة المولودة.
هكذا تبدأ دائرة تأنيث الجوع عبر إضعاف الأم والجنين الأنثى بسبب نقص الغذاء، مما يؤدي إلى استمرار الظلم وغياب المساواة الجندرية، وهو ما يشكّل عائقًا منهجيًا أمام جهود تمكين النساء. فالنظام الذي يكرّس هذا التمييز ينتج نساء هزيلات، أقل إنتاجية، وأكثر عرضة للإصابة بالأمراض، ما يجعلهنّ غير قادرات -في كثير من الأحيان- على كسب المال وتحسين مستوى معيشتهنّ.