NO2TA Logo NO2TA Logo
تجريم الإجهاض: وصاية قانونية على أجساد النساء

تجريم الإجهاض: وصاية قانونية على أجساد النساء

"كنت أبلغ من العمر 17 عامًا عندما خضعت لعملية إجهاض غير آمنة، رافقتني صديقتي إلى العيادة  وكانت من نفس عمري. الدعم النفسي من شخص راشد كان معدومًا، وهذه الحادثة رافقتني وأثرّت بشكل كبير في شخصيتي. لا يمكنني وصف الرعب الذي كنت أعيشه". 

بهذه الكلمات استهلّت ريما حديثها عن تجربتها مع الإجهاض قبل أعوام. "العيادة كانت في منطقة برج حمود، ظروف التعقيم والنظافة كانت سيئة، ولكن كان يتوجب عليّ المخاطرة. فلم أكن أملك خيارًا آخر. قمت ببيع أساور ذهب كنت أملكها بدون علم أهلي وأمّنت تكلفة العملية وكانت تبلغ وقتها ما يعادل 400 دولار أميركي كان علي أن أبحث عن أرخص عيادة لإجراء العملية دون النظر إلى الظروف الصحية ان كانت مناسبة أم لا".

تضيف ريما، "قبل العملية بأيام كنت أعيش فيلم رعب، كثيرة هي التساؤلات التي طرحتها: كيف سأؤمن المبلغ؟ هل سأجد عيادة؟ ماذا لو علم أهلي بالموضوع؟ ماذا عن قانونية الإجهاض والملاحقة التي يمكن أن أتعرّض لها؟ عدا عن الإحساس بالذنب الذي رافقني طيلة هذه الفترة. بعد العملية ذهبت إلى بيت صديقتي وأمضيت يومين عندها خوفًا من أية مضاعفات صحيّة قد تحصل معي". 

لم تخبر ريما آنذاك شريكها بعملية الاجهاض خوفًا من الضغط الذي قد يمارسه عليها للاحتفاظ بالطفل :" لم اكن جاهزة ابدًا للزواج وتكوين عائلة. فقد كنت قاصرًا. أخفيت الامر عنه كون المجتمع يمنحه فرصة اتخاذ القرار عني و قد يرغب بابقاء الطفل."

الفلسفة أبويّة  والقوانين تجرّم الإجهاض

مذكورٌ في أحد تقارير منظمة الصحة العالمية أنّ عمليات الإجهاض غير الآمنة تشكل ثالث الأسباب التي تؤدي إلى وفيات الأمّهات حول العالم. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا تحديداً، يرتفع معدل الوفيات لكون تجريم الإجهاض ساريًا قانونيًا، وبسبب سوء الظروف الصحيّة وتعرّض النساء للاستغلال الجنسي.

تشكّل مواد تجريم الإجهاض في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا جدلًا كبيرًا. فعلى الرغم من مطالبة الجمعيات الحقوقية والناشطات النسويّات في هذه المنطقة بحقهنّ بتقرير الإنجاب والإجهاض لدى الحمل غير المخطّط له، إلا أنّ القوانين لم تتغير الى حد الآن وهي تتماهى مع التعاليم الدينية الإسلامية منها والمسيحية التي تحرّم الإجهاض.  أما تونس فتُعد الدولة الوحيدة في المنطقة التي تسمح بالإجهاض  دون تقديم تبرير، شرط ألا يتخطّى عمر الجنين 24 أسبوعًا. 

"إنّ القوانين في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا تجمعها فلسفة واحدة وهي الوصاية على أجساد النساء وما يسري على قوانين الإجهاض يسري على بقية القوانين مثل تزويج القاصرات والاغتصاب الزوجي"، تقول المحامية ليلى عواضة المسؤولة عن وحدة العنف في منظمة "كفى عنف واستغلال". 

50% من الدول في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا جرّمت الإجهاض بشكل كلي، أمّا بقية الدول فشرّعته في حالات معينة، كما هي الحال في مصر ولبنان اللذين يشرعان "الاجهاض العلاجي" إذا كان الحمل يشكّل خطرًا على حياة  المرأة الحامل. وفي الكويت، يُشرّع الإجهاض إذا كان الجنين مشوّهًا. 

على صعيد آخر، هناك دول تسمح بالإجهاض اذا كان الطفل هو نتيجة علاقة "سفك المحارم "أو "اغتصاب" مثل المغرب. وفي هذا الخصوص، أشارت عواضة إلى أن في هذا القانون لا يوجد تكريس لحق المرأة في التعامل مع جسدها بل يتم ربطه بـ"وصمة اجتماعية" تلاحق المرأة التي تعرّضت للاغتصاب. والقانون هنا لا يعاملها كضحية اغتصاب ولديها حقوق". 

تفرض هذه القوانين عقوبة على النساء المجهضات تتراوح بين الغرامة المالية والسجن وكذلك الأمر بالنسبة للطاقم الطبي. لكن بحسب عواضة، نكاد لا نرى ابدًا دخول امرأة الى السجن بسبب إجهاضها رغم ان عمليات "الاجهاض غير الامنة" منتشرة، ما يعني ان هذه القوانين شكلية وموجودة فقط إرضاءً للأبويّة. 

وأكّدت عواضة خلال حديثها أنّ الإنصاف الحقيقي هو الاعتراف بحق النساء في اتخاذ القرارات بما يخصّ اجسادهن والإجهاض بدون أي شروط أو مبرّرات. 

تجريم الاجهاض... أمومة قسريّة

"إنّ الاجهاض هو حق مطلق للمرأة ويتعلّق بأجسادهن فقط، كما أن هناك عوامل عديدة قد تؤثر على رغبة النساء بالأمومة، وبالتالي على قرارهنّ بالإجهاض، وهذه العوامل لا يمكن التحكم بها مثل العوامل الاقتصادية وحتى رغبة المرأة الشخصية والنفسية". هذا ما تؤكده سلمى هاجري، وهي مديرة مشروع شبكة "روسة" لتعزيز الحقوق الجنسية والإنجابية في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا. 

معدّلات الإجهاض في البلدان التي تجرّمه كليًا أو جزئيا تبلغ 37 لكل 1,000 شخص، بينما تبلغ 34 لكل 1,000 شخص في البلدان التي تشرّع الإجهاض بشكل مطلق  بحسب تقرير لمعهد غاتماتشر. وهذه الأرقام بحسب "هاجري" متقاربة جدًّا و تسقط الحجج القائلة إن تشريع الاجهاض سيرفع من نسبته، بل يجعلها الواقع أن عدم تشريعه يجعله أقل أمانًا ويضع النساء ومنهن القاصرات تحت خطر الموت. 

وبحسب هاجري، فإنّ نسبة الوفيات مرتفعة بسبب هذه العمليات، نظرًا لعدة اسباب أولّها قلة التعقيم والنظافة في العيادات ما يؤدي الى مضاعفات وأيضًا انعدام المتابعة الطبيّة في العديد من الأحيان بعد عمليات الاجهاض ما يمكن أن يسبّب نزيفًا مفاجئًا يؤدي إلى وفاة المرأة الحامل فضلًا عن أنّ الطاقم الطبي لا يملك الخبرة الكافية لإجراء هذه العمليات. 

على صعيد العالم، أدخلت الكثير من التعديلات على قوانين الإجهاض. هناك دول تقدّمه كأي خدمة صحية  للنساء في المستشفيات، ولكن وفق هاجري، لا يوجد أي تغيير يذكر في قوانين منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا. فهذه الدول جرّمت الإجهاض انطلاقًا من التعاليم الدينية وهي موجودة منذ الانتداب الفرنسي والانجليزي في المنطقة.

ماذا عن وسائل منع الحمل؟

عند الحديث عن الإجهاض، لا بد من الحديث عن وسائل منع الحمل. فبحسب أرقام منظمة الصحة العالمية، فإن 45% من النساء في منطقة الشرق الاوسط وشمال افر يقيا غير قادرات على الوصول الى  وسائل منع الحمل. ويعود الأمر  إلى عدة اسباب أهمهّا بحسب هاجري، ضعف التثقيف الجنسي لدى النساء وعدم معرفتهن الشاملة بهذه الوسائل وبخاصة في المجتمعات المهمشة من اللاجئات والعاملات المهاجرات، فضلًا عن أسعارها المرتفعة في بعض الدول. 

وتضيف هاجري أن من الأمور التي يجب تغييرها إلى جانب القوانين هي الأفكار السائدة في المجتمعات عن أن العلاقة الجنسية هي للإنجاب فقط وليست من منطلق الرغبة، وبالتالي التثقيف الجنسي يؤدّي دورًا كبيرًا في هذا الموضوع. 

وفي حديثها عن تجربة تونس كونها الدولة الوحيدة التي شرعت الإجهاض، تقول هاجري إن المستوصفات الرسمية والخاصة أيضًا تقدّم الرعاية الصحية اللازمة للإجهاض وهي تقدم كأي خدمة صحية أخرى ولكن لا يمكن إنكار الوصمة التي تلاحق النساء اللواتي يردن الإجهاض من المجتمع والتي تشكل عائقًا أحيانًا، وهنا نتحدث عن "حواجز مجتمعية وليس قانونية".

مقالاتنا