NO2TA Logo NO2TA Logo
النساء بين المنظومة الذكورية و الخطاب الديني

النساء بين المنظومة الذكورية و الخطاب الديني

بين الماضي والحاضر: 

كتبت مها حسن الكاتبة والناشطة السورية تقول تحت" عنوان ثورات النساء في ظل الربيع  العربي: هل حان الوقت؟":  "النساء نفسها خاسرة في السلم والحرب على حد السواء" تشرح طبقات الاستبداد في المجتمع العربي وتقول أن “المجتمعات العربية مستبدة في عمقها، وهذا الاستبداد الموجود في بلادنا، هو استبداد مركّب، كأننا أمام طبقات من الاستبداد، حين تزيح الاستبداد السياسي، يأتيك الاستبداد الديني، تزيحه، فيظهر تحته الاستبداد العائلي، دوائر من الاستبداد، متداخلة، يقع أغلبها على النساء…”

أما نحن فنسمع هذه الصرخة ونرى أنه الاستبداد نفسه، نهج النخب الحاكمة التي تتخذ من الدين و القومية والاقتصاد و التقاليد أدواتً لتُحكم خناقها على الشعوب و تمدد حكمها الى الأبد. نخبة ذكورية لم تزل منذ عصر الجاهلية تشيّء النساء وتستغل الدين عبر من تسميهم رجاله فتخلط التقليد الجاهلي بالديني لنعيش شيزوفرينيا حقيقية في الهوية تظهر في فشلنا للآن في استنباط خطابات سياسية وطنية صلبة نابعة من قيم واضحة لا من مرجعيات طائفية متداخلة.   

ليس الربيع العربي صدفة إذن. ليس تآمرًا كما يحلو القول للمنظرين الذين لم يروا الشارع الا عبر شاشات إعلام تنطق باسم الانظمة الحاكمة . كل ربيع طفرة على سبات طال أوانه .كل ربيع حتمي.  لكن اليقظة دون أعدادِ قليلٌ ما تأتي أُكُلها. هي تحتاج الكثير من التضحيات حتى ترسي قيمها و تؤسس لمجتمع جديد. الجهلة يرون التضحيات خسائر ويحمّلون اليقظة ومن ينادي بها مسؤولية خسائرهم. وكان حريًّا بهم أن يحمّلوا أنفسهم وسكوتهم عن تمدّد الطغيان والظلم وزرَالتضحيات والخسائرالجسام.  لكن المساءلة و نقد الذات أول الوعي وما زلنا للأسف بعيدًا عنه بأشواط . 

فشلنا. فشلنا نحن وذوونا والأنظمة التي وُليّت أو ولّيناها علينا في بناء دول/ أوطان يشعر فيها أهلوها بالمواطنة وبالمساواة في الحقوق والواجبات. في خضم هذا الفشل يبرز قمع النساء وإقصاؤهن عن دائرة العمل العام وتحقير إنجازاتهن أو التعتيم عليها وجهًا أساسيًّا من وجوه تغلغل الاستبداد في مجتمعاتنا. إذ لا يكاد يمر أسبوع الا ونسمع عن قمع جديد لحقوق النساء وامتهان لكراماتهن ككائنات حرّة عاقلة بإسم العادات و التقاليد التي يردّها أصحابها خطأ إلى الدين ككل و كأن المساواة و المناداة بالحقوق و تولي النساء السلطة و خوضهن مجال السياسة و الفكر و الأدب و كأنها كلها مدخلات علينا من الفكر الغربي المشيطن وذلك افتراء على ماضينا وتزوير له.

  لا شكّ في أنّ قوانيننا و عاداتنا و تقاليدنا تُردّ جزئيا الى مرجعية دينية عامة - إسلامية خاصة على صعيد المنطقة. و لا شك في أنها في كثير من نواحيها مٌمأسسة لظلم النساء وإقصائهن عن الدائرة العامة وحجرهن في المنازل.هل نستخلص من ذلك أن الدين يتعارض مع فكرة تحرر النساء و المساواة في الحقوق  مع الرجال أم  أن العادات و التقاليد التي نتكلم عنها هي عادات جاهلية حملتها نخبة ذكورية حاكمه و نسبتها الى الله و رسله؟  و ما دور النخب الحاكمة في تحوير الرسالات و توجيهها الى ما يناسب مصالحها؟

أسئلة مفصلية تناولها كثر وندعو القراء للتبحّر فيها بالعودة لأعمال الباحثة الإجتماعية النسويّة العالمة فاطمة المرنيسي التي تنبهنا الى تاريخ لم نقرأه بعدسة الحاضر فشوهناه عن قصد و غير قصد.  هكذا تبدأ المرنيسي في كتابها "الحريم السياسي" ، تبدأ بما يسميه محمد عابد الجابري مرض الحاضر، الذي يمنعنا من فهم تاريخنا و تبلور عاداتنا و تقاليدنا.فنخلط بين الدين رسالة وتعبيرا عن مرجعية تجاوزية والدين الرسمي الذي بني على صروح نصوص عديدة  وأفرز نماذج حكم مختلفة تكاد تكون متضادة لكنها تجتمع جميعها باختلاف الدرجات على ذكورية في الخطاب السلطوي.

هكذا تمسكنا "المرسيني" من يدنا و تصحبنا في أزقّة المدينة المنورة -أول تجربة حكم إسلامي والمفروض اكثرها ولاءًا لجوهر الرسالة- فتكلمنا عن رؤية محمدية تتجه نحو (دون أن تصل إلى) المساواة بين الجنسين خاصة اذا ما قورنت بما سبقها في الجاهلية. تظهر لنا وجه الثورة في الرسالة الدينية و تخبرنا عن مدى تلكؤ الاوائل من نخب ذكورية حاكمة في قبول الدين الجديد الذي قال مثلا بوجوب توريث النساء في حين كانت النساء أنفسهنّ يعتبرن شيئا يورّث! تُكلمنا عن نساء يطالبن بآيات تخصهن و عن عائشة -ام المؤمنين- كسياسية وقائدة. و تخبرنا عن مقاومة الاريستوقراطية الذكورية للثورة القيمية الجديدة التي تحد من سلطتها باسم اله لا يُرَ ؟

 ما الذي أخرج النساء من الحياة السياسية وشؤون الدولة؟ وهل وضعهن في خانة المقدس المخفي، وحرمناهنّ من حقوقهنّ السياسيّة و المدنيّة واجبٌ ديني حقًّا أم امتداد للعادات الجاهلية ؟

اليوم، ها هي العادات و التقاليد الجاهلية تختبئ برداء الدين عبر من سمّوا أنفسهم رجاله أو لم تنمو في مجتمعنا جنبا الى جنب مع المدخلات الدينية؟ المفارقة ان النص القرآني غالبا ما يذكر أن كل تبشير برسالة سماوية كان يقابله مقاومة من النخب الحاكمة المستفيدة و كانت الحجة دوما : أتريدنا أن نترك دين آبائنا و أجدادنا؟ أمّا الجواب فكان دوما : وإن كان آباؤهم لا يعقلون؟ 

فلماذا تقمع عقولنا باسم القيم و التقاليد اليوم اذن؟ هكذا أخرجت من الدين (عامة) بواعثه شيئا فشيئا و أفرغ من محتواه المناهض للقمع والتمييز ليتحول الى عكسه. 

 من المهم أن نشير إلى أننا في طرحنا هذا لا نبغي الدفاع عن الدين و لا مهاجمته بل نقول مع المرنيسي بعد ان نفصل ما بين الصروح التي اقيمت عليها و بين مضمون الرسالة بالاستناد الي تجربة الحكم المحمدية ، أننا نريد استرداد حاضرنا من نخبة تقمعنا باسم التاري المشوه ونريد الدفاع عن كثيرات ممن يردن الله و حقوقهن في آن فتجدن انفسهن بين مطرقة علمانية تجهّلهن و سندان رجال دين يقبعون على أنفاسهن.

 

النخبة الذكورية و احتكار الخطاب الديني

  يقول الجابري في"  تكوين العقل العربي" ما فحواه أن رجال الدين والسلطة عطّلوا العقل العربي بلجوئهم الى الماضي للسيطرة على الحاضر. يرد ذلك للعام ١٣٤ ه الذي عرف بداية التدوين للاحاديث والفقه والتفسير و كانت كلها تحت "رقابة" السلطة. تحمل المرنيسي الفكرة و تذكرنا بأنه و مع تسلم معاوية الحكم مثلا بدأت الدولة القائمة على الوراثة بعيدًا عن مبدأ الاختيار والشورى أو ما قد نسميه اليوم  بذور الديموقراطية.

القصة ليست بجديدة و لا تزال حاضرة في يومنا هذا. طبقة حاكمة تحتاج أن تدعم مشروعيتها في السلطة و تُخرس المعارضات و المعارضين. فهل خير من أحاديث النبي التي تُدوّن تحت رقابة السلطة للدعم نفوذ النافذين وإنهاء النقاش وفرض الرقابة وقمع المعارضات؟ 

تخبرنا المرنيسي عن تدوين الأحاديث النبوية والتدقيق فيها وعن تكذيب البخاري مثلًا لعشرات آلاف الأحاديث الكاذبة و\أو المختلقة  لا لتبرئ الدين، بل لتحثنا على التفكير بحاضرنا بحرية و موضوعية و بدور النخب الحاكمة في إقصاء المرأة و إبعادها عن دورها السياسي الطبيعي.

"لا يفلح قوم ولوا أمرهم الى امرأة" -حديث نقل عن ابي بكرة- فلماذا لم يتذكره الا عقب معركة الجمل التي انهزمت فيها عائشة؟ تعيد المرنيسي التحقيق في الرواية و الراوي ليس دفاعا عن عائشة بل اهم من ذلك اثباتا لدورها السياسي الذي لم يجادلها فيه وقتها غيره احد من خصومها مشيًرا الى جنسها! تكلمنا عن الضغوط التي تعرض لها المدونون و عن صراع ما بين الأمانة وإرضاء الحكام في الصراع الأبدي القائم ما بين الحق من جهة  والمال والسلطة، صراع ما يزال حيا.

هنا نترك التجربة الاسلامية  التي تهمنا لأسباب قانونية سياسية وتاريخية في بلادنا و نبحث في أوروبا ومحاكم التفتيش أيام العصور الوسطى حيث كانت الكنيسة الكاثوليكية تريد أن تحارب"  الشر" فأخذت بملاحقة السحرة. هكذا كانت النساء تعذب كي تنتزع منهن اعترافات بالسحر و الشعوذة. يكتب في ذلك فيليب زيمباردو في : أثر ابليس( ذا لوسيفير ايفيكت) ويقول ان السلطة كونها متمركزة في يد الرجال كان لا بد من ان تستهدف النساء. 

قد يختلف الباحثون و الباحثات حول قضية ميزوجينية محاكم التفتيش، و انها اي المحاكم كانت خاضعة لروح العصر وضغوط المجتمع قبل كل شيء لكن كما يقول زيمباردو كانت تنتزع الاعترافات بالسحر تحت التعذيب وكانت التهم غالبا ما تقع  على المهمشين وخاصة الارامل و الفقراء و على من يعانون من تشوهات خلقية و طبعا على من كان يُري انهم ذوو ونفوذ كبير آي من يهددون السلطة القائمة. اي انها مثال آخر لاستعمال الخطاب الديني و ثنائية الخير و الشر لدعم النخبة الحاكمه و دليل آخر على تواطئ الكثير من رجال الدين مع السلطة المستبدة على حساب الحق بمعناه العام تذهب ضحيته الفئات الاكثر هشاشة في المجتمع خاصة النساء.

ان كان من الواضح لنا حجم النفع الذي يستمده الحكام من التكلم بصوت الآلهة، كحماية أنفسهم من المساءلة أولا  (من يجرؤ على الله؟) - فمن المهم ان نشير ان اسهل طريقة لتوحيد الناس خلف سلطة مستبدة معينة هو تخويفهم من عدو مشترك- شرير-". كما تفعل السلطات الطائفية في لبنان مثلا اذ تهدّد بالحرب الأهلية كلما طالب تابعوها بالمساواة و بحقوقهم.

كما ولا تتوانى النخب الحاكمة عن أن تعطي للعدّو بعدًا "سحريًّا"، و للصراع بعدًا مقدّسا لتحكم سيطرتها على الشعوب. هنا وهكذا يؤمن قمع النساء باسم قيم و تقاليد تحمل طابعا مقدسا هدفين اساسيين: 

أولًّا - تشكل النساء و فتنتها عدوًّا يمكن التغلب عليه آنيا لكنه غامض المعالم هلامي  يحتاج تدخل السلطة الدائم  و بالتالي يشرّع لامتداد ممارساتها  الظلامية دون قيد أو شرط زمني و مكاني. 

ثانيًا-  تؤمن أيضًا إنقسامًا داخليًّا في القوى الشعبية يخدم السلطة التي تفرق فتسود. فيتلهّى الشاب -مشروع الثائر- بقمع الشابة- مشروع الثائرة- و ملاحقتها و التضييق عليها خوفًا من لوم مجتمعي باسم التقاليد،  بدل ان يقف الى جانبها في معركة تجعل الشوارع أكثر أمنًا لها ليتحرّرا معًا من الاستبداد ذاته. 

يشكل الخطاب الديني أداة لا تهزم تستعملها النخبة الحاكمة التي يكتب عنها   C Wright Mills  " إن النخبة الحاكمة  تتكون  من الرجال الذين تمكنهم مناصبهم من تغيير البيئات العادية للرجال والنساء العاديين و الذين بصمتهم في افضل الاحيان يصنعون واقعنا المرير…" " سماسرة السلطة " المتنوعين الذين بنوا صرحا عسكريا- مؤسساتيا - دينيا يخدمون فيه مصالح بعضهم البعض و يقررون مصائرنا. " 

لا يفاجئنا اذًا أن يغلب على تراثنا و هو برأينا ثوري، تراثٌ جاهلي وتوارث سلطويّ ذكوريّ يختلط فيه الكهنوت بالسياسة بالتجارة والحرب. لا يفاجئنا ان تجترّ هذه المنظومة الذكورية ذاتها باسم ماضٍ اختلقته اصلا ليناسبها ولا يفاجئنا أن نقرأ في تجربة المرنيسي عن ذلك " الباحث" الذي يتهم كل من يراجع الاحاديث النبوية بالصهيونية! ( "قديمة" كما نقول)

كما ولا يفاجئنا أخيرًا، عندما تروي لنا المرنيسي و تخبرنا عن يوم كانت تحاضر فيه عن سكينة بنت الحسين بالغة الحسن خٌلقًا و خُلُقًا المتمرده على السلطة السياسية والدينية في عصرها و علم الأدب والفصاحة، سكينة التي تزوجت ٥ مرات،  لا يفاجئنا ان يهاجمها رجل ماليزي بعنف فيقول لها أنها تكذب وأن سكينة ماتت وهي في السادسة ! هكذا تعود عادة الوأد الجاهلية التي حرمها الاسلام فتظهر وأدًا فكريًّا يمارسه للمفارقة كثير من المسلمين.

هكذا وقفت "المرسيني"مع مراجعها التي تثبت ما تقول  امام رجل لا يفقه العربية اصلا يتهمها بالكذب لجهله بمن كانت عليه سكينة بنت الحسين. هكذا نقف مع غيرنا من النساء في يومنا هذا نجادل جهالًا في حقوقنا المشروعة التي سلبتنا اياها الأنظمة المستبدة الذكورية و رجال الافك و في تاريخنا الحقيقي و انفتاحنا على الحاضر عن بواعث ثورة تحمل المساواة عنوانًا،  ثورة لا تخون دور النساء الريادي فيها،  و ترقى لمستوى تضحياتهن.

فاطمة المرنيسي:  كاتبة وعالمة اجتماع وباحثة اجتماعية مغربية، تعد من أعلام النسوية المغربية والعربية. تهتم كتابتها بالنسوية من منظور إسلامي وركزت كتبها على الإسلام والنساء وتحليل تطور الفكر الإسلامي. بالموازاة مع عملها في الكتابة نشطت في المجتمع المدني من أجل المساواة وحقوق النساء (ويكي الجندر)

مقالاتنا