الحرب على لبنان: النساء في الخطوط الأمامية استجابة للأزمة

الحرب على لبنان: النساء في الخطوط الأمامية استجابة للأزمة

يواجه لبنان واحدة من أشد الأزمات الإنسانية التي شهدها منذ عقود، في ظلّ العدوان الإسرائيلي المتواصل والغارات الجوية التي تستهدف مناطق واسعة من البلاد. فقد تعرّض جنوب لبنان والبقاع وضواحي بيروت والعاصمة ومناطق لبنانية أخرى لقصف مكثّف، ما أدى إلى نزوح أكثر من 1.2 مليون شخص، بينهم مئات الآلاف من النساء والأطفال.

وخلال عام واحد فقط، بين 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 و8 تشرين الأول/أكتوبر 2024، أسفرت الهجمات الإسرائيلية عن مقتل 2,169 شخصاً وإصابة 10,212 آخرين، وفقاً لوزارة الصحة اللبنانية. وقد أطلقت الأمم المتحدة والعديد من المنظمات الإنسانية تحذيرات عاجلة، ووصفت الوضع الإنساني بأنه كارثة آخذة في التفاقم.

اضطرت آلاف العائلات إلى مغادرة منازلها دون أيّ من ممتلكاتها تقريباً، باحثةً عن مأوى في المدارس المكتظّة، والمباني غير المكتملة، ومراكز الإيواء المؤقتة. ومع تزايد أعداد النازحين/ات، أصبحت الموارد المحدودة أصلاً تحت ضغط هائل، وباتت الأزمة تتجاوز تدريجياً قدرة جهود الإغاثة الطارئة على الاستجابة.

ويُقدَّر عدد النازحين/ات بأكثر من مليون شخص، من بينهم نحو 520 ألف امرأة وفتاة. كما تشير تقديرات هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن 12 ألف أسرة نازحة تعيلها نساء.

 

العبء الأكبر يقع على النساء

في أوقات الحروب، تتحمّل النساء والفتيات العبء الأكبر، والحرب الدائرة في لبنان ليست استثناءً. فآثار النزوح والعنف لا تقتصر على الخسائر المادية، بل تمتد إلى الجوانب النفسية والاجتماعية، وتفاقم من أشكال الهشاشة وعدم المساواة القائمة أصلاً.

تروي إحدى النساء النازحات من بلدة قعقعية الجسر في جنوب لبنان تجربتها مع نقطة قائلة:

“غادرت المنزل مع طفليّ ووالدتي بعد استهداف حديقة قريبة بغارة جوية. أمضينا 24 ساعة داخل السيارة مع طفلي الرضيع. لا يمكنكم تخيّل ما عشناه.”

تتأثر النساء بشكل غير متناسب نتيجة غياب الحماية والرعاية الصحية والموارد الأساسية. كما تجد كثيرات أنفسهن مضطرات لتحمّل مسؤوليات إضافية في ظل غياب الاستجابة الرسمية الكافية.

 

وتقول إحدى النساء النازحات من مدينة صور:

“غادر معظمنا منازلنا من دون أيّ أغراض، من دون ملابس أو حتى مستلزمات صحية. كثيرات منا حوامل. وفي ظل غياب تدخل حكومي فعّال، تطوّعت داخل المدرسة لتوثيق احتياجات النساء، وتنظيم المساعدات، والتواصل مع القائمين/ات على المبادرات.”

ورغم أن النساء يملأن فجوات أساسية في الاستجابة الإنسانية، إلا أنهنّ في الوقت نفسه يواجهن ظروفاً معيشية قاسية ويكافحن من أجل البقاء.

فالنساء لا يتحمّلن أدوار الرعاية فقط، بل يواجهن أيضاً مخاطر متزايدة للاستغلال والعنف القائم على النوع الاجتماعي خلال النزاعات والأزمات. ولذلك، لا بدّ أن تأخذ الاستجابة الإنسانية بعين الاعتبار الواقع الخاص الذي تعيشه النساء والفتيات، وأن تضمن توفير الرعاية الصحية والحماية والخدمات الأساسية ومرافق النظافة الملائمة.

 

وتروي أمّ نازحة من بلدة كفّرصير تجربتها خلال النزوح:

“هذه ليست المرة الأولى التي أنزح فيها إلى مدرسة، لكن الأمر أصعب هذه المرة مع بناتي الثلاث. أكثر ما أزعجني سابقاً كان مشاركة الحمّام مع أكثر من ثلاثين امرأة، واليوم ما زال الوضع نفسه.”

إن غياب البنية التحتية المناسبة والدعم الكافي يترك النساء في ظروف تمسّ بكرامتهن وصحتهن الجسدية والنفسية.

 

بلد يواجه الانهيار

تعكس الأزمة الحالية حجم الهشاشة التي يعيشها لبنان، والتي تتفاقم يوماً بعد يوم. فقد دمّرت الغارات الإسرائيلية أكثر من 4,000 مبنى سكني بشكل كامل، تاركة آلاف العائلات من دون مأوى أو ممتلكات.

كما أن البنية التحتية العامة، التي تعاني أساساً من سنوات طويلة من الانهيار الاقتصادي والأزمات السياسية، لم تعد قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من النازحين/ات.

ويقيم حالياً نحو 190 ألف نازح/ة في أكثر من ألف مركز إيواء جماعي في مختلف المناطق اللبنانية، فيما لجأ مئات الآلاف إلى منازل أقاربهم أو أصدقائهم، أو غادروا إلى سوريا.

كما تحوّلت المدارس إلى مراكز إيواء، ما حرم أكثر من 400 ألف طفل وطفلة من حقهم/ن في التعليم.

أما القطاع الصحي، فيواجه بدوره ضغوطاً هائلة، إذ خرج أكثر من 100 مركز للرعاية الصحية الأولية عن الخدمة، فيما أغلقت 12 مستشفى أبوابها أو أصبحت تعمل بشكل جزئي فقط.

وقد أقرت الأمم المتحدة، إلى جانب برنامج الأغذية العالمي (WFP) واليونيسف، بحجم الكارثة الإنسانية المتفاقمة والحاجة الملحّة إلى استجابة عاجلة.

 

دور نقطة على الأرض

في ظل هذه الظروف القاسية، تعمل منظمات نسوية مثل نقطة – المختبر النسوي على الجمع بين العمل الإنساني والمناصرة. وتواصل نقطة التزامها بتوثيق قصص النساء وإيصال أصواتهن من خلال إنتاج المحتوى والعمل الإعلامي، إلى جانب دعم النساء والفتيات النازحات.

 

وتؤكد علياء عواضة، المديرة التنفيذية لنقطة:

“بصفتنا مختبراً إعلامياً نسوياً، ينصبّ تركيزنا على إيصال أصوات النساء وبناء محتوى نابع من الواقع. لكننا في الوقت نفسه نعمل على الاستجابة للاحتياجات الإنسانية الطارئة. وتشمل جهودنا توزيع مستلزمات النظافة الشخصية والاحتياجات الأساسية للنساء داخل مراكز الإيواء. وحتى اليوم، وصلنا إلى ما بين 200 و300 عائلة في بيروت وجبل لبنان، لضمان تلبية بعض الاحتياجات الملحّة للنساء.”

 

وتقول إحدى النساء النازحات من منطقة الزهراني:

“سأعود إلى منزلي حتى لو أصبح ركاماً ورماداً. غادرت صباح يوم الإثنين بإرادتي. تركت زوجي وابني لأنهما يعملان في الدفاع المدني في المنطقة. لكن لديّ أمل كبير بأن أعود إليهما.”

ورغم هذا الصمود، تبقى الحقيقة أن مراكز الإيواء الحالية غير مهيّأة للإقامة طويلة الأمد.

 

وتقول امرأة نازحة من بلدة أنصار:

“صُدمت عندما وصلت إلى المدرسة. لم تكن مجهزة أو نظيفة، ولم تكن هناك فرشات أو أغطية. كان لدى الدولة متّسع من الوقت للاستعداد للنزوح منذ عام، لكنها لم تفعل شيئاً. تُركنا نعتمد على مبادرات الآخرين. في الليالي الأولى نمنا على الأرض.”

لذلك، تظلّ الحاجة ملحّة إلى استمرار دور المنظمات النسوية في تقديم الدعم الإنساني والمناصرة من أجل استجابة أكثر شمولاً وحساسية للنوع الاجتماعي.

 

مقاربة نسوية للعمل الإنساني

في ظل استمرار الحرب واقتراب فصل الشتاء، تزداد الحاجة إلى وقف فوري لإطلاق النار وإلى استجابة إنسانية فعّالة تراعي احتياجات الفئات الأكثر تأثراً.

فالنساء والأطفال هم الأكثر عرضة لمخاطر الحرب، وللانتهاكات وأشكال العنف والاستغلال التي تتفاقم خلال الأزمات. كما أن غياب الخدمات الأساسية يضاعف من آثار الحرمان وعدم المساواة.

إن معالجة هذه الأزمة تتطلّب مقاربة نسوية تضع احتياجات النساء والفتيات في صلب الاستجابة الإنسانية، وتستند إلى مبادئ الكرامة والاستقلالية والتعافي طويل الأمد.

ومن دون ذلك، لا يخاطر لبنان بخسارة منازله وبناه التحتية فحسب، بل يخاطر أيضاً بخسارة جيل كامل من النساء والفتيات.

وفي أوقات الأزمات، يصبح مطلب العدالة الجندرية أكثر إلحاحاً. ومن الضروري أن تعطي الجهات الدولية الفاعلة أولوية لاحتياجات النساء والفتيات ضمن تدخلاتها الإنسانية.

وتؤكد تجربة نقطة أن المنظمات النسوية لا تقتصر على تقديم الدعم الإغاثي المباشر، بل تلعب أيضاً دوراً أساسياً في إعادة تشكيل السرديات المرتبطة بحقوق النساء خلال الحروب والأزمات.

إن دعوتنا إلى تدخل إنساني عاجل وإلى وقف فوري لإطلاق النار تنبع من إيماننا بضرورة حماية الأرواح البشرية ووضع حدّ لدورات العنف والانتهاكات المستمرة.

ابحث عن أي شيء...

اضغط على Enter للبحث أو Esc للإغلاق