كرهت الصيف، كرهت الشتاء، كرهت كل الأيام والفصول
وجدان*
اضطرت الكاتبة إلى استخدام اسم مستعار حفاظاً على وظيفتها. كما شطبت الشتائم مراعاةً لمشاعر القارئات والقراء.
لم يشأ ذلك الشتاء **** أن ينتهي. ظل جاثماً فوق صدري ككتلة من الإسمنت. ضباب، وبرد، وعتمة، ومسيّرات **** تزنّ فوق رؤوسنا، كأن ما يجري على الأرض لا يكفي، فقررت السماء أن تؤدي دورها أيضاً.
وجاء الصيف. انتصف حزيران (يونيو)، والطقس بالكاد يسمح بالذهاب إلى البحر، والدمار يلفّ مدينة صور. وكيف يبدأ موسم البحر من دون صور؟
كنت أنتظر الشمس. أردت شعاعاً يدفئ جلدي، وكرسياً على الشاطئ، وساعةً واحدة من دون أزيز المسيّرات. لكن بأي حق أتمنى أمراً بسيطاً كهذا؟
بيتي ما زال في مكانه. لم تدمره إسرائيل ****. لم أعش في خيمة. ما زلت أتنفس، ولم يُقتل أحد من أفراد عائلتي.
أن أعود إلى بيتي فأجده حيث تركته، وأن يجيب جميع أفراد عائلتي على واتساب: صارت كلها امتيازات.
كل بضعة أيام، أقرأ نعياً جديداً. هذا توقف قلبه. ذاك مات فجأة. أحدهم نام ولم يستيقظ. ومن نجا من القصف قد يموت من الحزن. فللحزن أيضاً طريقته في القتل.
لم تعد أعصابي تحتمل مشاهدة حياة الناس وهي تُمحى أمامنا.
في أي فصل نحن الآن؟ الصيف؟ الشتاء؟ فصل الحروب؟ موسم المسيّرات؟ زمن الغلاء؟ عصر الهبل العام؟
لم أعد أعرف.
كل ما أعرفه هو أنني مللت الطقس، والأخبار، والعمل، والطرقات، والبشر، وإسرائيل ****. ومللت كلمة "الصمود". خصوصاً كلمة "الصمود"، التي تُستدعى كلما أراد أحد **** أن يمدح قدرتنا على تحمّل ما لم يكن ينبغي لأحد أن يتحمله أصلاً.
في السابق، كنت أكره الصيف لأسباب عادية: الحر، والعرق، وانقطاع الكهرباء، والبعوض، والغبار، والروائح.
وكنت أكرهه أيضاً لأنني لا أملك "سمر بادي" (summer body)، ولا "سمر مود" (summer mood)، ولا "سمر بلانز" (summer plans). كل ما أملكه هو مروحة تنقل الهواء الساخن من جهة إلى أخرى، وفاتورة كهرباء تجعلني أعيد النظر في قرارات حياتي كلها، منذ الولادة.
أشتاق الآن إلى الأيام التي كان أسوأ ما في الصيف فيها هو الصيف نفسه.
فالمشكلة لم تعد في الطقس وحده، ولا في الاحتباس الحراري، ولا في تغيّر المناخ. المشكلة أن الفصول كلها صارت فصلاً واحداً: حروب.
إنها أخبار كان يُفترض أن توقف الحياة، لكننا نقرأها ونحن نعمل، ونأكل، ونرد على الرسائل. يصل إشعار بغارة، ثم رسالة تطلب تعديلاً عاجلاً على ملف، ثم صورة لقرية مدمرة، ثم تذكير بموعد استحقاق فاتورة. كأن الخراب لم يعد حدثاً، بل جزءاً عادياً من برنامج اليوم.
وهذه واحدة من أبشع قدرات الإنسان: أن يعتاد.
نعتاد صور القرى المدمرة، والطرقات التي لم تعد تؤدي إلى بيوت، لأن البيوت نفسها لم تعد موجودة. نعتاد أن يقف أحدهم أمام كومة من الحجارة ويشرح للمراسل أين كانت غرفة الجلوس، وأين كان ينام أولاده.
ننظر إلى الدمار، ثم نمرر الشاشة. يظهر إعلان عن كريم للوجه، أو مؤثرة تشرح روتينها الصباحي من مطبخ مشمس، كأنها تستيقظ كل يوم في عالم آخر. عالم لا ترتكب فيه إسرائيل **** مجزرة قبل موعد الفطور.
"أول شيء أفعله حين أستيقظ هو شرب الماء مع الليمون".
مبروك يا روحي.
لا أعرف كيف نجا كل هذا العدد من الناس من الشعور بالإحراج. يفتح أحدهم الكاميرا، في أي وقت ومن أي مكان، ليشرح لنا كيف نعيش، ونأكل، ونلبس، ونحب، ونوفر المال، ونستثمره، ونرتب البراد.
تقول واحدة: "توقفي عن اختلاق الأعذار. النجاح قرار".
طبعاً.
كل ما كان ينقص أمّاً نازحةً من قريتها، أو شاباً يعمل اثنتي عشرة ساعة مقابل راتب لا يكفي ثمن البنزين، هو هذه الحكمة ****.
النجاح قرار، والفقر طاقة سلبية، والحرب، على الأرجح، نتيجة إهمالنا تدوين أهدافنا في دفتر وردي.
صرت أكره النصائح أكثر من كرهي لإسرائيل ****. معظمها يفترض أن المشكلة فينا دائماً: في طريقة تفكيرنا، وفي ضعف إرادتنا، وفي عجزنا عن جذب الطاقة الإيجابية.
أما الحرب، والاقتصاد، والسلطة، والهيمنة، والاحتلال، فمجرد تفاصيل صغيرة لا ينبغي أن تعكر صفو رحلة التطور الشخصي.
قريتك تُقصف؟ ركزي على ما يمكنك التحكم فيه.
ما هذا الهراء؟
ربما الحياة ليست مليئة بالدروس كما يقول المؤثرون. ربما هي مجرد شيء نستمر في فعله، رغم ضيق الخلق، والغلاء، والحروب.
وربما لهذا تنتشر النصائح: لأنها تمنح أصحابها شعوراً مريحاً بأن الفوضى قابلة للإدارة.
أحياناً أظن أن الأرض نفسها ضاقت بنا وبكل هذه الفلسفة، وأن الطقس المختل صار طريقتها في قول: كفى.
لا ألومها. لو كنت مكانها، لنفضتنا عن ظهرها وانتهى الأمر.
في هذه الأثناء، ما زلت أستيقظ كل صباح، وأعد القهوة، وأفتح النافذة، وأسمع المسيّرة، والمولد، والسيارات، وصوت جارتي وهي تنادي ابنها من الشرفة.
أتفقد الأخبار، ثم أغلق الهاتف. وبعد دقيقتين، أفتحه من جديد، كالمغفلة.
أشرب قهوتي قبل أن تبرد، وأتذكر أنني كرهت الصيف، وكرهت الشتاء، وكرهت كل الأيام والفصول.
أريد فقط يوماً واحداً لا يحدث فيه شيء.
يوماً لا يموت فيه أحد، ولا تُقصف فيه قرية، ولا يصدر فيه بيان عاجل، ولا يعرب مسؤول عن "قلقه العميق"، ولا يخبرنا خبير بأن المرحلة دقيقة، وأن الساعات المقبلة حاسمة.
يوماً لا تظهر فيه خريطة جديدة، ولا تُعلن فيه حصيلة أولية مرشحة للارتفاع، ولا يقف فيه مراسل أمام الركام.
يوماً لا يحدث فيه شيء يستحق شريطاً أحمر أسفل الشاشة.
يوماً عادياً تماماً، نأكل فيه السمك على شاطئ صور.