بيان تمرّد
بيان الـواحد والثلاثين: في مديح الجمال الحركي الحي ومعركة أن نكون عاديات
في عالمٍ يُحاكم النساء بـ "تاريخ صلاحية" غير معلن، ويحوّل غرف التجميل إلى مختبرات لتنميط الملامح ومحو أثر الأيام، يصبح الحفاظ على وجه حقيقي مليء بالانفعالات والخطوط دافئة معركة سياسية ونفسية شرسة.
بين كوكب "السوشيال ميديا" الذي يبيع وهم الإنجاز المتواصل والأجساد الخالية من العيوب، وبين واقع نساء يلملمن خصلات شعرهن المتساقطة بفعل القلق والحروب، يخرج هذا النص ليس كمرثية للوقت، بل كـ "بيان تمرد" صريح وصادم في سن الواحد والثلاثين؛ إعلانٌ ناصع للتصالح مع "العادية" والنجاة، وصك انتصار شخصي ضد منظومة رأسمالية تتغذى على تسليع مخاوفنا من الكبر لتربح المليارات.
نهار عادي، وسط زحامٍ لا ينتهي، وشوارع مدينة تعج بالحياة، في قلب ذلك الصخم، كانت أولى مواجهاتي مع نضجي المعاصر تبدأ من مكانٍ يختزل زحاماً من نوع آخر؛ صالون تجميل. هناك، حيث تتضاعف الأضواء البيضاء الساطعة فوق المرايا الممتدة، لتخلق هالة من الترقب المحموم والتوتر الصامت. المكان يشبه مختبراً معاصراً يطالب النساء بإعادة صياغة ملامحهن وفق قوالب جاهزة، كأن الزمن تهمة، وكأن الأيام عار يستوجب المحو.
كنتُ هناك، للقيام بجلسة تنظيف بشرة عادية، مستلقية أترك وجهي ليد خبيرة التجميل، التي كانت تفحص ملامحي بدقة مكبرة تحت الضوء المسلط، كمن يفتش عن تفصيل خارج عن السيطرة يحتاج تقويماً فورياً. سألتني عن عمري وهي تمرر أصابعها الباردة فوق جبيني، فأجبتها بيقين هادئ: "ثلاثون". توقفت يدها فجأة في الهواء، وتراجعت خطوة إلى الوراء، ونظرت إليّ بعينين تحملان خليطاً من الدهشة والاعتراض، ثم قالت مساعدتها بعفوية كاشفة: "مش مبين عليكِ أبداً، فكرتك بأول العشرين..". ضحكت وقلت بثقة أكبر: "الكل هيك بفكروني صغيرة"، فجاء الرد الذي يختزل كل شيء: "امم صح! بس لما ضحكتِ وبيّنوا التجاعيد، قلت أكبر".
نزلت كلماتها لتكشف لي عمق الفوبيا الجماعية التي تحاصرنا جميعاً. نظرتُ إلى وجهها في المرآة؛ كان وجهاً مشدوداً بعناية مفرطة، خالياً من التعبير خشيةَ من ترصّد الأعين ومقاييس النقد الجافة. وفي تلك اللحظة، لم أشعر بأي حنق تجاهها، بل غمرني تعاطف عميق؛ فهي ومثلها ملايين النساء، يرزحن تحت وطأة قلق جماعي غير معلن، غمرتنا به ثقافة بصرية شرسة تبتز المرأة في أمانها الشخصي، وتجعل من الوجه الحي المليء بالانفعالات خطيئة تثير الرعب.
لقد أقنعوا النساء، عبر عقود من التوجيه الثقافي والتجاري الممنهج، أن هناك تاريخ صلاحية غير معلن لأجسادهن وحيواتهن، وأن عتبة الثلاثين هي خط النهاية الذي تتوقف عنده الطموحات وتبدأ عنده مرحلة الذبول والانسحاب الصامت. صوّروا لنا العمر كمنحدر مخيف، وكأن المرأة بعد هذا السن تفقد حقها في البداية، وتتحول إلى كائن مستهلك يحاول يائساً استجداء عطف "الشباب الدائم". لكنني اليوم، وأنا أطأ عتبة الواحد والثلاثين، أقف لأعلن العكس تماماً؛ أنا لا أنتهي، أنا الآن فقط بدأت! أشعر اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أنني أدخل المساحة الأكثر نضجاً ونصاعة في حياتي. اليوم، لستُ تلك الفتاة المربكة التي تقودها توقعات الآخرين؛ أنا امرأة تفهم نفسها، تصالح لغتها، وتعرف كيف تختار وماذا تريد لتؤسس حياة حقيقية تشبهها من الداخل أو على الأقل أكثر معرفة وقربا مما سبق، حياة لا تدين بأي اعتذار لكتالوجات العالم المزيف.
للنساء كامل الحق الإنساني والذاتي في التجميل إن أردن ذلك بملء إرادتهن وشغفهن الحقيقي، فالجمال خيار حر ومساحة للتعبير عن الذات لا يجب أن تُقيد؛ لكن الوجع يكمن في تلك المنظومة الشرسة المعاصرة التي تحاول تحويلنا من بشر بملامح متفردة إلى سلع للمنتجات، ومستهلكين خائفين في مصانع تبيعنا الوهم وتتغذى على مخاوفنا من الكبر لتبقينا في ركض لاهث خلف قوالب جاهزة و"فلتر" معولم يلغي خصوصية ملامحنا وتعبيراتنا الصادقة.
هذا التعليق العابر في الصالون، أعادني بنفق سري عبر الذاكرة إلى مطلع عشرينياتي. في ذلك الوقت, لم أكن قوية؛ كنتُ غارقة في عتمة اكتئاب ثقيل وممتد، يجعل رأسي مثقلاً بالهواجس والأيام تتشابه في رتابتها الموحشة. في تلك الأيام الشاقة، وقعت عيناي على عبارة تائهة في الانترنت تقول إن تجاعيد العين الصغيرة والخطوط الدقيقة ليست علامة هرم، بل هي الأثر المتراكم للضحكات الصادقة واللحظات التي انتصرت فيها الروح على حزنها. أخذتُ يومها عهداً قاطعاً على نفسي، عهداً يشبه صلاة سرية في محراب النجاة: سأخرج من هذه العتمة، وسأضحك كثيراً وملء قلبي، حتى تترك الأيام ممرات واضحة وبقعاً دافئة حول عينيّ. واليوم، حين أرى تلك الخطوط تتحرك بحيوية كلما ابتسمت، لا أشعر بالفزع؛ بل أرى فيها انتصاري الصريح والشخصي على ذلك الاكتئاب الطويل. إنها أرشيف بهجتي، وصكي الملموس على أنني عبرت الضيق وضحكت من أعماق قلبي بعد كل ذلك الانطفاء.
لكن السياسات العالمية المعاصرة تصر على تسليع النساء وتحويل أجسادهن وحيواتهن إلى ساحات حرب استثمارية، يقودها المستثمرون في عوالم الموضة، والتجميل، والتغذية، ويتم ترويجها عبر السوشيال ميديا وجيوش المؤثرين والخوارزميات. لقد خلقوا لنا "مجتمع السوشيال ميديا المثالي"، كوكب الإنجاز المتواصل الذي يفقدنا قيمة أنفسنا ويجعلنا نركض في مضمار وهمي لا ينتهي. يُصيبنا هذا الكوكب الرقمي بالدونية حين نفتح شاشاتنا لنرى مؤثرة عشرينية، مليونية، تعيش حياة باذخة، بجسد منحوت ووجه بريء من العيوب، بينما نكون نحن، في المقلب الآخر من الحقيقة، نلملم آخر خصلات شعرنا المتساقطة بفعل القلق، أو نحاول مداراة السواد الذي نحته الخوف والنزوح والحرب تحت عيوننا الحية.
إنها تجارة مبرمجة بالكامل لتسليع القلق؛ يريدوننا أن نكره علامات التمدد (Stretch marks) على أجسادنا التي قاومت، وتغيرت، وحملت تفاصيل نجاتنا، فقط لأنها لا تشبه تلك الأجساد المرسومة والملساء خلف فلاتر المنصات. يبيعون لنا نمط حياة تعجيزياً؛ تلك الصورة المتكررة لامرأة خارقة تستيقظ في الخامسة صباحاً، لتقوم بالتدوين والتمدد، والعناية الكاملة بالشعر والبشرة، ثم ممارسة الرياضة وتناول فطور صحي ومثالي قبل الذهاب إلى العمل. هذا الركض اللاهث خلف ترندات يخترعها المستثمرون ليوهمونا بأن هذه هي "المرأة المعاصرة القوية الناجحة"، ينهك الأرواح قبل الأجساد، ويحول "العادية" إلى وصمة عار تلاحق النساء، ويحرمهن من حق الأمان والسكينة مع ذواتهن.
والنساء في هذا كله لسن الجناة، بل هن الضحايا اللواتي يُحاصرن بـهذا السيرك البصري؛ يُحملن أعباء مقاييس مادية جافة تسألهن عند بلوغ الثلاثين: أين منزلك المستقر؟ أين استقرارك المهني والمالي؟ ويتناسون عمداً أن بقاء أرواحنا نقية، حقيقية، وغير مشوهة في زمن الحروب والتغيرات القسرية التي تسرق المنازل، هو البطولة الحقيقية والإنجاز الأكبر الذي لا يمكن للمستثمرين تسليعه أو وضعه في قالب جاهز. من وضع هذه المقاييس؟ ومن وضع شروط المثالية وصنّف النساء بناءً عليها؟
هنا، يتقاطع صوتي مع صوت صديقتي "رنا"، التي باحت لي بقلقها قائلة:
"كان عندي خطة واضحة لعمر الثلاثين، قائمة طويلة من الإنجازات التي تمنيت تحقيقها.. لكن، للأسف، لم أمتلك الرفاهية أو القدرة لتحقيق أي شيء منها بسبب الظروف القاسية التي فرضها علينا هذا البلد. نحن لا نعيش في فضاء محايد، بل في بقعة جغرافية تسلبنا أبسط مقومات الاستقرار، وتجعل الحديث عن 'الحياة المثالية والكاملة' التي نراها على السوشيال ميديا نوعاً من الرفاهية البعيدة. الحقيقة أننا منذ خمس سنوات وحتى اليوم، نعيش تحت وطأة وضع النجاة المستمر (Survival Mode)، حيث تصبح المحافظة على الأنفاس والتماسك النفسي هي المعركة اليومية الوحيدة المتاحة."
في عيدي الواحد والثلاثين هذا، أطلقها صرخة مدوية في وجه هذا الزيف: أريد أن أكون عادية دون أن يُحكم عليّ!
أختار بكل وعيي وبكامل إرادتي أن أنفض غبار هذه التوقعات الزائفة والاملاءات التجارية عن كتفيّ. أرفض الدخول في هذه المبارزات الاستعراضية، وأختار العودة إلى الجذور، إلى الأشياء الحقيقية والثابتة التي لا تزول بمساحيق التجميل ولا تتغير بصيحات المؤثرين العابرة. في الوقت الذي يتسابق فيه الصخب نحو المظاهر الجوفاء على المنصات الرقمية، ألوذ بجلسة هادئة تعيد صياغة الذاكرة وترتيب الأولويات؛ جلسة تذكرني بأن قيمة الأشياء تكمن في عمقها الإنساني لا في بريقها الخارجي، وحيث ألتفت للوجوه الحقيقية الدافئة التي شكلت وجداني وغذّت روحي؛ الحاضرة منها التي تسند خطواتي، والغائبة التي تركت في قلبي حنيناً دافئاً وصقيعاً أود لو أحتضنه واصالحه.
إن بلوغ الواحد والثلاثين يمنحنا الشجاعة للاعتراف بالخسارات، الشجاعة لنقول إننا لسنا كائنات خارقة، ولسنا ملزمين بالكمال الذي تبيعه الإعلانات ومراكز التجميل.
تكمل "رنا" تعليقها كاشفةً عن تلك اللحظة الحرجة:
"الشهر الماضي، في يوم عيد ميلادي التاسع والعشرين، داهمتني نوبة هلع (Panic Attack) لمجرد شعوري بأنني على حافة 'المنطقة الحمراء'، تلك العتبة العمرية التي يطالبنا المجتمع فيها بجردة حساب قاسية. داهمني إحساس ثقيل بالخسارة والفشل، وكأن الوقت يداهمني وأنا مكبلة في بلاد لا تعطينا حتى فرصة للمحاولة".
هذا الشعور طبيعي جدا في مجتمع حدد لنا قيمتنا منذ الصغر بما ننجزه ونقدمه. "الوهم بالفشل" ليس إلا انعكاساً لمقاييس عالم مريض، يتجاهل كيف يبتلع الانهيار الاقتصادي والأمني أحلامنا، ثم يطالبنا بالركض بكعب عالٍ فوق الأنقاض.
يحق لي اليوم أن أقول بكل صدق وفخر: "لقد تألمتُ، وفقدتُ، وتغيرت ملامحي قسراً بفعل الظروف، لكنني ما زلت هنا، واقفة بكامل نقاء روحي وعطائها". انجازاتي اليوم هي انني تمردت على التوقعات المجتمعية وكنت نفسي في كل موقف، انني اخترت العناية النفسية وصرفت عليها جزءا كبيرا من دخلي، انني استثمرت في صحتي بتوازن، انني تخلصت من الاكل العاطفي ولم اقف على ميزان منذ ما يقارب الخمس سنوات وتصالحت من جسدي وأحببته كما هو. هذه الكلمات ليست مجرد سطور عابرة، بل هي بيان تمرد ورسالة حب لنفسي، ولكل امرأة قاومت وعبرت الأيام القاسية دون أن تسلّم وجهها لكتالوجات التنميط المعولم ورقابة المنظومة التجارية الرأسمالية.
أعلن اليوم تصالحي التام والناجز مع فكرة أن أكون امرأة عادية؛ امرأة تكتب بصدق يوجع، وتحب بعمق، وتحمل في قلبها حنيناً لا ينتهي لبيوت عتيقة ترفض الذاكرة أن تفارقها، لكن خطواتها في الحاضر ترفض الانكسار أو التبعية للقوالب الجاهزة. كل عام وأنا عادية، حقيقية، نبتت الضحكات والدموع في عيني خطوطاً دافئة تروي حكاية نجاتي من العتمة وصمودي في وجه الأيام.كل عام وأنا متصالحة مع خطوطي وعمري، مدركة أن بقاء الروح حقيقية ونقية في زمن الزيف، هو الانتصار الأجمل لكل امرأة تختار شكل حياتها وملامحها بوعي وحرية كاملة، دون أن تكون أسيرة لمخاوف يغذيها هذا العالم الشرس ليربح منها.